المرصد

القرار التاريخي

العلم يفضح أكذوبة المرأة «ناقصة عقل ودين» ويبين زيفها

Latest posts by د. عصام عبد الفتاح (see all)

ثمة قرارات ثورية تشكل منعطفات حاسمة في التاريخ ويمكن مقارنتها في مجال المعرفة بالثورة الكوبرنيقية التي كانت لها آثار عميقة في تغيير ذهنية الإنسان والانتقال به من عصر الجهل إلى عصر التنوير.

والتاريخ يعج بأمثلة كثيرة على مثل هذه القرارات. ألم يكن مثلًا القرار السياسي الذي اتخذه الملك فردريك الثاني هوهنشتاين، ملك نابولي وصقلية في القرن الثالث عشر، وأمر فيه بترجمة مؤلفات ابن رشد إلى اللاتينية والعبرية ليقاوم به الفكر الأصولي للبابوية ويمهد بفضله لظهور حركة عقلانية اجتاحت أوروبا كلها وغيرت معالم الفكر الإنساني فيها، ألم يكن هذا القرار تاريخيا؟ ولولاه لتأخر في البزوغ عصرا النهضة والتنوير في أوروبا.

قرار يكرس قيمتا العدل والمساواة

وفي الأسبوع الماضي أصدر السيد رئيس الجمهورية قرارًا تاريخيًا في مضمونه وآثاره ليجسد به على أرض الواقع قيمتين من أهم دعائم الحضارة الحديثة وهما قيمتا العدالة والمساواة اللتان كرس مفكرون عديدون حياتهم من أجلهما.

بناء على هذا القرار الذي ما كان ليصدر إلا ممن آمنوا بفلسفة التنوير ووهبوا إرادة وعزيمة لا تلين لإرساء مبادئ العقل قرر المجلس الأعلى للهيئات القضائية في اجتماعه برئاسة السيد رئيس الجمهورية بدء عمل المرأة في مجلس الدولة والنيابة العامة أسوة بالرجل اعتبارًا من شهر أكتوبر المقبل.

ولم يكن يحق للمرأة في الماضي تقلد هذه المناصب أمام محاولات الفكر الأصولي للحيلولة دون مساواة المرأة بالرجل في بعض الوظائف العامة التي احتكرها الرجل لنفسه وبرروا محاولاتهم بأسانيد صادمة للعقل والمنطق.

فضح أكذوبة المرأة ناقصة عقل ودين

فسعوا إلى جعل المساواة التامة بين الجنسين نوعًا من المحرمات حتى يرسخ في الوعي الجمعي اعتقاد جازم بأن المرأة لا تصلح لأسباب خلقية فيها لشغل وظائف معينة وأشاعوا عنها أنها «ناقصة عقل ودين» فجاء العلم لفضح أكاذيبهم وبيان زيفها.

والحق أن موضوع الاهتمام بالمرأة كركيزة جوهرية لكل حركة تنويرية ممكنة يرجع إلى عصر النهضة في الشرق والغرب، إذ أيقن الجميع أن أي نقلة من التخلف إلى واقع حضاري جديد لن يقيض له النجاح إذا لم تستطع المرأة، وهي نصف المجتمع وليس ربعه أو ثلثه، أن تحتل دورها الطبيعي فيه على قدم المساواة مع الرجل.

ومن المؤسف أن الرجل قديمًا كان يريد، بفضل قوته العضلية، أن يهيمن على المرأة، وأن يقضي عليها بالحجز داخل البيت في زمن كان التعليم فيه حكرًا على الرجل حتى جاءت الحضارة الحديثة لترد إلى المرأة اعتبارها، بعد أن فقدت القوة العضلية أهميتها، فلم يعد الإنسان في حاجة إليها لمواجهة الطبيعة والمجتمع، وصار العقل هو الأداة الوحيدة التي تعينه على ذلك.

التعرض للاضطهاد بسبب الدفاع عن قضية المرأة

ومن ثم استطاعت المرأة أن توظَّف عقلها وتثبت بجدارة أنها لا تقل في قدراتها العقلية عن الرجل إن لم تكن تتفوق عليه. وكم تعرّض مفكرون تنويريون للاضطهاد بسبب دفاعهم عن قضية المرأة.

يروي لنا الدكتور/ مراد وهبة في كتابه القيم «سلطان العقل» أن المفكر المصري/ منصور فهمي عندما أراد أن يثبت في الرسالة التي تقدّم بها إلى جامعة السوربون عام 1913 للحصول على الدكتوراة وعنوانها «حال المرأة في الإسلام» أن المرأة متفردة على عكس ما ينسبه إليها علماء الأثنوجرافيا من جهل وخضوع لشهوات الرجل طلب منه أساتذته في الجامعة المصرية الأهلية تأجيل المناقشة، لكنه رفض، ونوقشت الرسالة، وعندما عاد إلى الجامعة وجد نفسه مفصولًا.

العقل الجمعي والفردي

وعلة ذلك أن منصور فهمي أراد أن يثبت متأثرًا بأستاذه/ ليفي بريل وبعالم الاجتماع الفرنسي/ إميل دور كايم أن ثمة عقلين: عقل جمعي وعقل فردي. الأول هو مركب كيميائي تشكل على مر الزمن من العادات والتجارب الاجتماعية للمجتمع، وصار مرادفًا للتراث، أما الثاني فهو يؤدي وظيفته وفقًا لمبادئه الخاصة في التفكير.

منقول من مقال في جريدة «المصري اليوم»

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى