رؤى

المؤامرة وأسباب أخرى!

الدعاة.. معظمهم لا يعلم ما يُحاك خلف الكواليس

عدنان الرفاعي
Latest posts by عدنان الرفاعي (see all)

أنا لست مع جعل عامل المؤامرة شمَّاعة نُعلِّق عليها حال فشل الأمّة، فكريًا وثقافيًا وسياسيًا و ………، لكن.. ما يحصل الآن من واقع للأمّة نراه بأعيننا، هو مزيج من تفاعلات لعوامل كثيرة، لا يمكننا استثناء عامل المؤامرة منها..

.. سنقف عند مسألة الفكر الديني وتفاعلاته في السنين الأخيرة، لنرى ذلك جليًا في الواقع الذي عشناه ورأيناه بتفاصيله..

.. تمَّ الترويج للفكر السلفي المتطرِّف لعقود من الزمن، وأُنشِئت فضائيّات لذلك، وطُبِعت كتب كثيرة في هذا السبيل، بملايين النسخ، ووزِعَت في كل أنحاء العالم، وأُنشِئت مراكز ثقافية في أنحاء العالم لنشر هذا الفكر، وأُنفِق عليها بسخاء.. وبالفعل.. آتت كلُّ هذه الأعمال أُكلها، فانتشر الفكر الظلامي المحمول بهذه الدعوات، في مختلف أنحاء العالم..

الدعاة ، معظمهم لا يعلم ما يُحاك خلف الكواليس، وحتى الذين كانوا يموِّلون، أفرادًا كانوا أم مؤسسات رسمية تابعة لدول أم غير تابعة، كثير منهم كان يعمل ذلك وهو يحسب أنَّه يُحسن صنعاً.. والمتلقُّون كضحايا، لم يكونوا على عِلم أنَّ الأمر سيتمّ استثماره لغايات خبيثة..

المخطِّطون لكل ذلك، يعلمون تمامًا أنَّ هذا الفكر يحمل في كينونته معاوِل هدم الأوطان، وأنَّه بمجرد ما يسود في المجتمعات فإنَّ نهايتها هي الاقتتال والتجزئة، ففكرٌ يكفِّر كل ما هو آخر، نتيجته معلومة، هي الدمار والتفتيت..

وبالفعل، تمَّ استثمار هذا الفكر – من قِبَل أعداء الأمّة – في الكثير من الدول، وذلك لأهداف سياسية، فما حصل في دول عديدة، مما رأيناه بأُمِّ أعيننا، لأكبر دليلٍ على ذلك.. لكن.. المطلوب من نشْر هذا الفكر، ليس فقط ضرْب الأوطان واستقرار الأمّة، المطلوب هو رأس القرآن الكريم، دفعًا لأبناء الأمّة لكي يرتدوا، أو يُلحدوا، أو يدخلوا في دين آخر .. هذا هو الهدف الأكبر ..

.. وهنا.. لا يتحقَّق لهم ذلك، إلاَّ بالعمل على بُعدين مُتكاملين:

1 – البُعد الأول ، هو التشكيك بكتاب الله تعالى ، بناءً على تناقضات الموروث من روايات وتفاسير .. ومن يواجههم في ذلك بأنَّ هذا التراث ليس مُقدسًا ، وما هو مُقدس هو كتاب الله تعالى ، يُحارَب من قِبَل التُراثيين ، ومن قِبَل هؤلاء ، بحيث يقف هؤلاء المُشكِّكون مع التُراثيين في خندقٍ واحد عند هذا الأمر ، فالمشكِّكون بحاجة لهذا التراث كونه الوسيلة والسلاح الذي به يهجمون على كتاب الله تعالى ..

2 – البُعد الثاني ، هو التشكيك بشعائر العبادات ، عبْر متنطِّعين لا يفقهون شيئًا من قواعد لسان كتاب الله تعالى ، وإفراغ دلالات كتاب الله تعالى من مضمونها ، واستبدالها بهُراء المُضلّين وأوهامهم وما تُمليه عليهم شياطينهم .. وكلُّ ذلك تحت شعار ما يسمونه هُم بالتنوير ، وباسم تنقية الموروث ..

.. البُعد الثاني أخطر بكثير من البُعد الأول ، لأنَّ البُعد الأول ينتهي مفعوله عند الإيمان بأنَّ هذا التراث ليس مُقدساً .. لكن .. البُعد الثاني ، يهدف إلى إفراغ القرآن الكريم من دلالاته التي يحملها ، وإنهاء العمل بشعائر العبادات كما يريد المولى عز وجل ..

.. هم يعلمون أنَّ إلغاء شعائر العبادات من حياة المسلمين ، تُؤدّي إلى نزْع روح الصلة مع منهج الله تعالى ، ليكون منهج الله تعالى مجرَّد إسم يحمله المسلم ، كما يحمل جنسيته للدولة التي ينتمي إليها .. وانبرى لهذه المهمّة الخبيثة كثيرون ، منهم من هو مأجور في ذلك ، وهؤلاء معظمهم مكشوف ، ومنهم من يدفعه هوى نفسه وخُبث إرادته ووسوسة شياطين الإنس والجن له ، وهؤلاء أخطر من الصنف الأول ، كونهم ممن وصفهم الله تعالى بالأخسرين أعمالًا الذين يحسبون أنَّهم يُحسنون صُنعًا ..

فشل الأمة يبدأ بالتشكيك في ثوابتها

في هذا السياق ، لا يمكن تناول شبهاتهم والرد عليها ، فقد خصصت لذلك أبحاثًا .. لكن .. لنعدِّد بعضًا مما يقولونه في هذا الأمر ، تشكيكًا بشعائر العبادات :

1 – هناك من يشكِّك بالشهور القمرية ، وذلك بهدف ربط الشهور القمرية بفصول السنة الشمسية ، فيزعمون أنَّ شهر رمضان ليس هذا الذي نصومه ، وأنَّه يجب تثبيته في شهر شمسي محدَّد .. ويزعمون أنَّ أشهر الحج ليست هذه التي نؤدي فيها فريضة الحج ، وكل من هؤلاء المُضلِّين يُغنِّي على ليلاه وبمنتهى الجهالة ..

2 – هناك من يشكِّك بمكان بيت الله تعالى المعلوم ، وهناك من يشكِّك بمكان المسجد الأقصى .. وكل ذلك بمنتهى الجهل والإعراض عن قواعد لسان كتاب الله تعالى ..

3 – هناك من يشكِّك بهيئات الشعائر ، كهيئات الصلاة ، وأوقاتها ، وعدد ركعاتها ، وكالتشكيك بمناسك الحج ، وبالإفتاء بعدم الصيام لمن يدفع الفداء دون عُذر سفر أو مرض ، وكل ما يؤدي لإبعاد الناس عن العبادات التي أمر الله تعالى بها ..

.. يقومون بكل هذه الأعمال ، مُستغلِّين عدم عِلم الناس بقواعد لسان كتاب الله تعالى ، وهُم ذاتهم من أجهل الناس بهذه القواعد … وللأسف هناك من أبناء الأمّة من يقع ضحية لهذا التضليل ، فهناك من يبتعد عن العبادات التي يأمر الله تعالى بها ، وهناك من يُلحِد .. كل ذلك يتم تحت ما يسمونه بمظلَّة التنوير ، التي هي مجرد ظُلمات يغرق فيها أصحابها ، إضلالًا وإبعادًا عن نور الحق ..

.. لاحظوا النتائج بالنسبة للكثيرين من أبناء الأمّة :

1 – إمَّا تطرُّف باتجاه الفكر السلفي المتطرِّف ، وهم يحسبون أنَّهم يعودون لمنهج الحق ..

2 – وإمَّا ترْك لشعائر العبادات ، وهم يحسبون أنَّهم يعودون لمنهج الحق ..

3 – وإمَّا إلحاد ، وهم يحسبون أنَّهم يعودون لمنهج الحق ..

هذا هو حال الكثيرين من أبناء الأمّة الآن .. وهذا ما يتمُّ التخطيط له ويريده أعداء الحق ، فالمُتنطِّعون المُضلِّون ، هُم – سواءً علموا بذلك أم لم يعلموا – أداة تُستخدَم لإفراغ كتاب الله تعالى من محتواه الدلالي ، ولإبعاد المسلمين عن شعائر العبادات ، التي هي الصِلة الحياتيّة لهم مع منهج الله تعالى ..

.. وإن لم تكن هناك صحوة ، واعتصام بكتاب الله تعالى عبْرَ قواعد لسانه ، فالنتيجة هي :

(( فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُواْ الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُواْ الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيّاً )) [ مريم : 59 ]

المصدر:

الموقع الرسمي للمهندس عدنان الرفاعي.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى