نور على نور

المخدوعون بالشفاعة

لا تستوي كلمات الله وآياته مع روايات البشر

المفكر العربي علي محمد الشرفاء الحمادي
Latest posts by المفكر العربي علي محمد الشرفاء الحمادي (see all)

رسالة الإسلام منهاج وشريعة أرسلها الله في كتاب كريم إلى الناس جميعًا، تنزلت بالوحي على الرسول الكريم، لتهديهم طريق الخير والسعادة والسلام، ليتحقق للناس العيش الكريم في ظل الأمن والاستقرار.

وليست رسالة الإسلام نظرية يتم تقييمها بشتى أنواع المصطلحات البشرية أم تكون محل مراجعة لخلق الشك والريبة في آيات الله ومقاصدها لخير الإنسانية جمعاء، أو أن يطلق عليها بعض الفقهاء والمفسرين المصطلحات التي تنطبق على الاجتهادات البشرية.

وشتان بين الآيات والروايات ولا تستوي كلمات الله خالق السماوات والأرض والذي يعلم ما فيهن والذي يدبر حركة كونه ويعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور.

وهم الشفاعة في الروايات

فلا بد من أن نفرق بين رسالة الله للناس التي تدعو إلى قيم الفضيلة والمعاملة الحسنة بين الناس وتضع لهم تشريعًا بضبط علاقة الإنسان بالله، ومنهجًا للسلوك والفضيلة يعلم الناس أسلوب التعامل بينهم، ليتحقق للإنسان العيش الكريم والسلام يستمتع برزق الله من صحة ونعمة وبركة؛ ليعيش حياته في محيط من الطمأنينة والاستقرار ويتخذ الرحمة سلوكًا والعدل معاملة والإحسان ممارسة وتجنب الاعتداء على حياة الناس وممتلكاتهم والوفاء بالعهود والتعاون على البر والتقوى.

تلك دعوة الله للناس ليهديهم طريق الحق والخير والسعادة، ويضمنون خير الجزاء يوم الحساب، تأكيدًا لحكمه سبحانه وتعالى: «يَوْمَ نَدْعُو كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ ۖ فَمَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَأُولَٰئِكَ يَقْرَءُونَ كِتَابَهُمْ وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا» (الإسراء:71)

هم الذين اتبعوا آيات الله وكتابه المبين والتزموا بتطبيق تشريعاته، واتبعوا عظاته وتهذَّبوا بآداب القرآن وأخلاقياته وصدقوا الله على عهدهم وتجنبوا محرماته وأطاعوا الله في كل أمر وذكروا الله في كل أوقاته.

خارطة الطريق المستقيم

ذلك هو طريق الحق الذي يهديهم إلى جنات النعيم والمنهج القويم، الذي يقودهم للطريق المستقيم إذا اتبعوا قرآنه وآمنوا ببيانه كما قال سبحانه: «إِنَّ هَٰذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا»  (الإسراء :9).

فالدنيا دار امتحان وأسئلة الامتحان وضعها الله في القرآن، فمن اتبع آياته وطبَّق تشريعاته وابتعد عن محرماته وسلَكَ أخلاقياته ونفَّذ عظاته؛ فيوفقه الله يوم القيامة لاجتياز الامتحان بنجاح، استحقاقًا لاجتهاده في الدنيا ومجاهدته لنفسه باتباع كتاب الله ومضمون آياته.

ومن أعرض ذكر الله وكتابه واتبع الشيطان والذي أضاع رواياته سيأتي يوم الحساب أضاع عمره في اللهو والمتعة والعصيان لأمر الله وارتكب الموبقات من قتل وظلم وسرقات وارتكاب المحرمات، فلن يستطيع اجتياز الامتحان وسيسقط في الاختبار ولن يشفع له أحد، ولن يعينه بنت ولا ولد.

جزاء من يفتري على الله الكذب

ستكون نتيجته كما وصف الله الذين نسوا القرآن وأعرضوا عنه وهم يسألون الله عمن يشفع لهم يوم الحساب أو يردهم الله للحياة الدنيا ليتبعوا آياته ويطبقوا تشريعاته، فلن يجدوا لهم من يشفع لهم ولن يعيدهم الله إلى الحياة الدنيا مرة أخرى.

فخسروا أنفسهم بما كانوا يفترون، حيث يقول سبحانه: «هَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ ۚ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِن قَبْلُ قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ فَهَل لَّنَا مِن شُفَعَاءَ فَيَشْفَعُوا لَنَا أَوْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ ۚ قَدْ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ» (الأعراف: 53).

ذلك حكم الله العادل لا يحابي أحدًا ولا شفاعة لمن أعرض عن كتاب الله وعصاه في الدنيا، بل يحاسب حسابه عسيرًا وفق القانون الإلهي في قوله سبحانه: «كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ» (المدثر: 38)،

وقوله سبحانه: «يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجَادِلُ عَن نَّفْسِهَا وَتُوَفَّىٰ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ» (النحل: 111)

وهم الشفاعة والعدالة الإلهية 

حينها يتحسَّر الإنسان على عمر أضاعه في العصيان وأضله الشيطان بشيوخ الدين، وأوهموه بالشفاعة يوم لا ينفع غير العمل الصالح ومن اتبع القرآن، فعدالة الله وحكمه الصالحين الجنة والظالمين النار.

وذلك حكم العدل لمن يسقط في الامتحان، ومن صدّق بالشفاعة فلن يجد أمامه غير الخزي والخسران، تطبيقًا لحكم الله في الناس جميعًا رسلًا وأنبياء وصالحين ومجرمين وعاصين كلهم يحكمهم قانون العدل الإلهي: «فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَه ﴿7﴾ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَه ﴿8﴾» (الزلزلة: 7-8).

ويبين الله سبحانه للناس بقوله: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ يَوْمٌ لَّا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ وَلَا شَفَاعَةٌ ۗ وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ» (البقرة: 254)

يدعوهم للإنفاق على المستحقين للصدقة محذرًا الناس أن يطيعوا الله وينفقوا مما رزقهم من نعمه قبل يوم القيامة مؤكدًا لمن لم يطع الله لن يكون له شفيع يوم القيامة يخفف عنه العقاب.

تحذير لا يقبل التأويل للذين ينخدعون بأن الرسول سيشفع لهم يوم الحساب ويؤكد سبحانه هذا الحكم بقوله: «وَاتَّقُوا يَوْمًا لَّا تَجْزِي نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا تَنفَعُهَا شَفَاعَةٌ وَلَا هُمْ يُنصَرُونَ» (البقرة: 123)

الحكم على من يتبع الروايات الكاذبة

ثم يتكرر الحكم الإلهي منذرًا الناس من الجري خلف وهم الشفاعة حيث يقول سبحانه: «وَأَنذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَن يُحْشَرُوا إِلَىٰ رَبِّهِمْ ۙ لَيْسَ لَهُم مِّن دُونِهِ وَلِيٌّ وَلَا شَفِيعٌ لَّعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ» (الأنعام: 51)

ثم يخاطب الله الذين ظنوا بأنه سيكون معهم شفعاء يوم القيامة يسألهم سبحانه بقوله: «وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَىٰ كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُم مَّا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ ۖ وَمَا نَرَىٰ مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ ۚ لَقَد تَّقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنكُم مَّا كُنتُمْ تَزْعُمُونَ» (الأنعام : 94)

تلك الآيات المذكورة تحذّر الناس من ألا ينخدعوا بأوهام الشفاعة ويرتكبوا المعاصي والذنوب على أمل بمن يشفع لهم يوم الحساب.

رحمة الله سبحانه بالخلق

ومن عدل الله سبحانه حين يخاطب الإنسان بقوله وهو يعلم سبحانه ماذا قدّم الإنسان في حياته من خير أو شر وحتى لا يشعر بأن الله ظلمه فيعطيه حق الحكم على نفسه بما عمله في الدنيا ، كل مسجل في كتاب يأمره الله بقوله سبحانه: «اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَىٰ بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا» (الإسراء: 14)

أي عدل هذا، وأية رحمة للإنسان، يترك له الله أن يبين لنفسه الحكم الذي يستحقه على ما عمله في الدنيا ليستيقن بعدل الله الذي لا يظلم أحدًا من عباده!

فإن كان عمل الصالحات واتبع كتاب الله والتشريعات الإلهية فحكمه جنات النعيم، وأما إن قرأ الإنسان كتابه ووجد فيه ما عمله من المعاصي  سيحكم على نفسه بأن مصيره النار وبئس القرار، يؤكد الله سبحانه بقوله: «مَّنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ ۖ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا ۗ وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِّلْعَبِيدِ» (فصلت: 46)

فمن اعتمد على وهم الشفاعة ورواياتها وهجر القرآن واتبع هواه واعتقد في الشفاعة لترفع عنه الذنوب ويدخله الجنة؛ يأتي يوم القيامة فتقول له الملائكة المكلفون بالحساب نأسف رصيدك مع العمل الصالح نفد، خسرت الدنيا والآخرة فاذهب إلى جهنم ذلك جزاء الظالمين.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى