طاقة نور

المرأة بين النص والفقه

الخطاب الديني يستدعي المرويات التي تقلل من شأن النساء  

على الرغم من التغييرات والتطورات العديدة التي حدثت في مجتمعاتنا العربية في العقود الأخيرة، إلا أن النظرة السائدة تجاه المرأة لا يزال لها الأثر الأقوى في خطابنا الديني اليوم.

وتكمن المشكلة الكبرى هنا في تواري النظرة المنقوصة للمرأة خلف المرويات التي تم نسبتها لرسول الإنسانية عليه الصلاة والسلام زورًا وبهتانًا، كما في الروايات التي تصف المرأة بـ«ناقصات عقل ودين». أو «ما أفلح قومٌ ولّوا أمرهم امرأة». وغيرها العديد مما وصلنا من مرويات في مسائل تتصل بالمرأة.

المرأة بين النص والفقه- قراءة من خارج الإطار

يقول الكاتب «محمد رسول أبو رمان» في كتابه «المرأة بين النص والفقه- قراءة من خارج الإطار»؛ العقل الديني السائد لا يزال يستدعي تلك الروايات، ويستدل بها على حُرمة عمل المرأة وتولي المرأة للولاية العامة والقضاء، وهو الأمر الذي يشعرنا بوجود أزمة في الخطاب الديني تجاه المرأة.

إن تفسير النصوص الدينية المتعلقة بالمرأة بعيدًا من تراكم المعارف الإنسانية، وتحقيق الصالح العام والارتقاء بفضاء الأخلاق والتنوير، يمثل مشكلة كبرى لا تزال تعصف بالفكر الديني.

إن الأخذ بالقرآن هو الأساس في بناء النظرة الصحيحة في الإسلام تجاه ولاية المرأة، وهنا نجد أن القرآن يؤكد نجاح ملكة «سبأ» في قيادة شعبها نحو الخير والفلاح، ويذكر أنها كانت تمارس الشورى خلافًا للاستبداد الذي كان يمارسه «فرعون» الرجل.

ويضيف المؤلف: التساؤل الذي يطرح نفسه في هذا السياق تحديدًا هو: كيف يمكن لنا الأخذ بعموم ما وصلنا بهذا الشأن بلا -إعمال العقل والتمحيص والتدقيق- بمعارضة فلاح قوم ملكة «سبأ» الذين تولّت أمرهم امرأة؟

القيادات النسوية في التاريخ المعاصر

يؤكد التاريخ أن القيادات النسوية يمكن لها أن تفلح بامتياز وبخاصة عندما ترتبط بنظام سياسي واجتماعي قوي وناجح، بموازاة كثير من القيادات «الذكورية» المستبدة التي جلبت الظلم والقتل والدمار لشعوبها.

ويمكن لنا استعراض أسماء عديدة لنساء تولين الحكم في تاريخنا المعاصر أمثال رئيسة وزراء الهند «أنديرا غاندي» ورئيسة وزراء بريطانيا «تاتشر» والمستشارة الألمانية «ميركل» وغيرهن كثير.

فهل ما وصلنا، يتساءل الباحث، من الفقه المتعلق بالمرأة هو الحقيقة المطلقة، ومن يملك الحقيقة المطلقة التي لا تقبل النقد والمراجعة والتقويم؟ أم إنه جهد بشري في زمان كان يعبر عن ثقافة واشتراطات ذلك الزمان التي صبغت الفقه والتفسير بصبغتها.

إن المهمة الثقافية الكبرى التي تقع على عاتق المسلم المثقف الواعي العارف والمجتهد بالإسلام والتاريخ والتقاليد والزمان هي:

تخليص الإسلام بصفته دينًا حيًّا وخالدًا من ركام التقاليد والقوالب الجامدة والأطر النمطية التي ينبغي كسرها بصياغة أطر جديدة كي تنسجم مع روح ومتطلبات العصر.

تقديس التراث

ويؤكد المؤلف قائلًا: يقع مقدسو التراث والأشخاص في مرحلة التأسيس تلك ولا يتجاوزونها إلى ما تقتضيه متطلبات كل عصر. فهم لا يتراجعون بل يعودون بنا إلى نقطة الصفر دومًا!

ألا يتطلب الأمر ثورة جديدة تهشم الشرنقة الضيقة والتي تضيق بنا كل يوم وتحول بيننا وبين ما يحتاجه عصرنا هذا، والتي أعجزتنا حتى تكاد تذهب بوجودنا كأمة لها تاريخ عريق بين الشعوب والأمم الحية؟

أليس هذا ما آل إليه حالنا نحن أكثر من غيرنا؟ من هنا تبدأ الخطورة التي ارتكبها خطابنا الديني بحق الدين نفسه، الخطورة تكمن في أنه أطلق «النسبي» أي أنه عدَّ تفسيرَ القرآن الكريم وتأويله، واستنباط الأحكام الفقهية منه الذي هو «نسبي»؛ هو النصَّ المقدسَ المطلقَ الذي لا يخضع للنقد ولا للنقض.

حيث جرى التوحيد بين النص وبين تأويله وتفسيره، وجرى الخلط الأرضي النسبي المتغير الذي هو تأويل وتفسير ومعرفة دينية وبين السماوي المقدس الثابت الذي هو النص المقدس، وهو ما يضفي طابع القداسة على غرار النص المقدس، لترتقي بهذه المفاهيم البشرية والتاريخية إلى عالم الأبدية والسرمدية ويضعها في مأمن من التعرض للنقد والمساءلة والتمحيص.

المرويات في تفاسير القرآن الكريم

وهنا تكمن صعوبة وخطورة من يتصدى ليفكك هذا التشابك بين النص المقدس وبين العادات والتقاليد والأعراف، وليوضح اجتهادات بعض القدامى في فهمهم وتفسيرهم لبعض الآيات القرآنية، واستنادهم إلى مرويات موضوعة وضعيفة لتأييد ما ذهبوا إلي.

يشدد الباحث على أن «القرآن الكريم» هو كلام الله، إلا أنه قابل لتفاسير شتى، كما أن سعة دلالة مفرداته، واتساع آياته قابلة لوجوه من التأويل، وأن كل من يدعي أنه يملك المعنى الواحد والحقيقي للقرآن إنما هو يتكلم باسم الله تعالى وينصب نفسه في موضع العليم ذي المعرفة المطلقة.

فيوهم الناس أنه يمتلك الحقيقة التي لا يمتلكها إلا الله عز وجل. فينكر حدوده البشرية ونسبيته الجوهرية. ومع أن الصحابة أنفسهم وهم أقرب الناس إلى التنزيل لم يدّعوا أنهم يملكون الحق المطلق إنما كانت تتفاوت الآراء بينهم وتختلف.

في كتاب «المرأة بين النص والفقه» تحريك لما ركد واستقر من قراءة ومواقف بشرية غدت بفعل الزمان مسلمات مقدسة لا تستدعي التحقيق. لذا نجد في هذا الكتاب قراءة تحليلية نقدية بعيدة من التبريرية أو الدوغمائية السائدة في دراستنا.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى