أخطاء شائعة

المستشار أحمد عبده ماهر

لا توجد قوة على وجه الأرض لمحو الأفكار او دحضها من وجهة نظر رافضيها سوى نقاشها

أدعو كل من استفز، من استهجن –اختلف – مع آراء المستشار أحمد عبده ماهر، أن يقرأ كتبه (السنة النبوية بين الدس والتحريف، كيف كان خلقه القرآن، كنوز ورحمات من القرآن، إسلامنا والتراث، الساعة-القيامة هناك فارق، أوهام عذاب القبر، إصلاح الأمة بفقه الائمة)، ويرد عليها.

الرد بالشتائم ليس نقاشًا وإنما «خناقة بلدي مبتذلة»، كذلك فإنه في عصر الإنترنت وحتي قبلها بدرجة الكتاب المطبوع، لا توجد قوة على وجه الأرض لمحو هذه الأفكار أو دحضها من وجهة نظر رافضيها سوى نقاشها، أما «التعالي المتعجرف» والمكرر على كل من قدم أفكارًا مختلفة بالقول (مستعدون نناقشه لو كان ما يقوله علم لكنه جاهل وتافه و…وو، ).

فقد سمعناه والله من أول كتابات د. طه حسن إلى د. خلف الله إلى د. نصر حامد أبوزيد، ولم يمنح التاريخ أي ذكر لهؤلاء الشتامين، بينما بقت وستبقى أفكار طه حسين وخلف الله وأبو زيد «موتيفة» صالحة للاتفاق والاختلاف والتعديل والتطوير ما بقي تاريخ الفكر العربي، بقي معها فقط، الأفكار الثمينة لمن ردوا عليها بالجهد والحجة وعلى رأسهم وكيل النيابة العظيم الذي حقق مع طه حسين، محمد نور، في «الشعر الجاهلي» فحوَّل القانوني إلى فكري، بدلًا من أن يحول الفكري إلى مجرَّم (بتشديد وفتح الراء) قانوني، فانحنى له التاريخ إكبارًا وإجلالًا.

أدعو الجميع إلى القراءة والكتابة، انتصارًا لخطابهم من جهة، وانتصارًا لحقنا في الارتقاء بالمشهد الثقافي من «الخناقة البلدي» إلى الصراع الفكري، ولست أقدم بهذه الدعوة من جديد عن روافد في تكويننا التاريخي، ولا تقليدًا مرده ما أضافته الحداثة الليبرالية، بل لأن الحضارة العربية الإسلامية خاصة في طوريها الأموي والعباسي ما أصبحت حضارة إلا بهذا النهج، في الانفتاح والمقارعة والمناظرة مع أفكار ونوازع حين لم تجدها أحيانًا -ترجمتها، مناظرات لم تقف عند الاجتهادات المتماسة مع السائد من نوع مناظرات الغزالي –ابن رشد، بل مع الإلحاد الصريح كمناظرات «ابن الروندي»، وفي نقاش قضايا وجودية كبرى كالخلق، والقرآن خالق أم مخلوق، وما شابه .

الطريف في هذه القصة أن المؤلفات التي جلبت للترجمة للتفاعل معها أو الرد عليها ـ كان البيزنط قد حبسوها في المخازن لكفريتها، من وجهة نظرهم، وفرحوا أحيانًا للتخلص منها، فما أعجبها من مفارقة.

أخيرًا وعابرًا، قد أبدي تفهمًا لمن رد بالشتائم، ربما لأن هذا ما وصله على الإنترنت من أحمد عبده ماهر، وقد يكون بعض ما وصله صحيح جزئيًا، ولأنه ليس كل الناس مفكرون ولا مطلوب أن يكونوا، ولأن بعض الناس يتصور أن الدين للاعتقاد المطلق لا للتفكير وأي شيء غير هذا أو بداية المساومة، أتفهَّم هذا، وأتفهَّم أيضًا المناخ العام الذي سادته «الاشتغالات» و«الميكروباصات» لشغل الناس عن الكوارث الجارية، وأتفهَّم حالة السجال الجارية الموجودة من 2013، وأتفهَّم شعور دفاعي عند البعض للتمترس عندما يتصوره أنه الدين بعد ما لحق الإسلام السياسي من هجوم.

وأتفهَّم حالة التسطيح الموجودة، وأتفهَّم قبل هذا كله الخراب الذي أحدثه «اليمين الديني» في المجتمع منذ اخترقه من السبعينات أتفهَّم هذا كله وأستوعبه فكريًا وإنسانيًا،، لكن ما لا أفهمه وما لا أستوعبه أن يدعو مثقفون إلى سجن الرجل بسبب أفكاره، أو اجتهاداته، أو تصوراته، وينظرون هكذا لكل إنسان يفكر ويجتهد ويصرح،، متسربلين في هذا بححج من نوع الخروج على الثوابت، أو العرف، أو بذر الفتنة، أو كسر القانون العام،، وربما كسر قوانين المرور .

أذكر هؤلاء أنهم بهذا النوع من الحجج، هم أنفسهم مطلوبون غدًا للسجن والاعتقال إذا ما قررت السلطات، وما أسهل أن تقرر، إدارة تفسير القانون إلى الجانب الآخر، ويمكن سلسلتهم واقتيادهم إلى غياهب السجون بوصفهم..جهاديين.. داعشيين.. تكفيريين.. إخوان.. وما شابه من صياغات.

فبالله عليكم حافظوا على معادلة مقارعة الفكر بالفكر، أو ما تبقى منها -وهو قليل وقليل جدًا – للأسف والحسرة.

نقلًا عن «الأهرام الجديد الكندي»

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى