رؤى

المسلمون تائهون بين الفتوى والقانون

الناس مهمومون بسؤال: هل نحن على حق أم على باطل؟ وعلى حلال أم حرام؟

عادل نعمان
Latest posts by عادل نعمان (see all)

تحت عنوان «الفتوى وأبو هريرة »، كتب عادل نعمان مقاله المنشور في جريدة «المصري اليوم»، يتناول فيه تأثير الفتوى في حياة الناس..

وجاء في المقال:

وكأننا شعب لا نصحو من النوم ولا نمشي ولا نأكل ولا نشرب ولا ننام ولا نبول ولا نتكاثر ولا نضاجع إلا بالفتوى، مهمومون بسؤال يراودنا إذا هممنا إلى عمل أو انصرفنا عنه، هل نحن على حق أم على باطل؟ وعلى حلال أم حرام؟

ولم يسأله يومًا لنفسه عن حق إخوته في الميراث حين أكله وبلعه، أو يستفسر عن الحرام حين تكاسل عن أداء عمله وعطل مصالح العباد عن قصد أو إهمال، أو حين ارتشى لتأخير منفعة على صواب أو أنجزها على خطأ، وهرول بعدها إلى الصلاة قبل فواتها، أو سافر إلى العمرة أو مناسك الحج على نفقة الراشي.

حلال وحرام.. والبحث عن الفتوى

ولا أدرى ولا أفهم لماذا لا نفلح كما فلح العالم ونحن بين ملايين الفتوى نسير، وبين جدران المساجد نصلي ونركع وندعو!.. وإلا قُل لي بالله عليك مَن على صواب ومَن على خطأ؟ ومن الناجح والمتقدم والمتفوق ومن القابع والفاشل والمنهزم؟ وأيهما كلف خاطره ووقته في البحث عن الفتوى؟ وكم قابل مَن سهل له سوء عمله، وكأنها من جعبته وليس من دين الله، وقد كان السؤال دوما لأبي هريرة حين كان يكثر القول عن رسول الله، أمن جعبتك يا أبا هريرة؟ وكان يضحك أحيانًا حين يصيبه السائل، ويتملكه الغيظ حين يخطئه السؤال.

وتتباهى دار الإفتاء المصرية، والمركز الإلكتروني للفتوى، ومركز الأزهر العالمي للفتوى، والقنوات الشرعية والتليفزيونية الخاصة والرسمية ومصاطب الفقهاء بملايين الفتاوى السنوية.. وللأسف، ما تقدمنا خطوة، وما تطورنا درجة، وما نجحنا وما صنعنا وما شبعنا، ونجح الذين جعلوا العلم والعمل والإخلاص والبذل غايتهم ومنتهاهم، والقانون والدستور قدوتهم، ولم يسمعوا يومًا يجوز أو حلال أو حرام، بل سمعوا فقط قانوني وغير قانوني، وأخلاقي وغير أخلاقي، مفيد وغير مفيد، ودارت فيما بينهم على المكسب والخسارة.

وكأننا كنا في حاجة ماسة لفتوى دار الإفتاء المصرية لإباحة لعب الطاولة مثلًا، وقيدتها على البعض «ما لم يكن الكلام خارجًا أو شاغلًا عن الصلاة أو العمل أو الرزق، ولا تؤدي إلى منازعة أو شجار»، حتى بدأ يصطف المسلمون على المقاهي والكافيهات ليتبركوا بلعب النرد، وزيادة في الكسل والتناحة، حتى خرج علينا من علماء الأزهر من حرّمها شرعًا «مدير أوقاف القليوبية» وقال: «من لعب بالنرد فقد عصى الله ورسوله» فتوقف الناس في الصفوف منتظرين رأيًا أقوى «نلعب النرد ولّا ما نلعبش»..

فتوى زراعة الشعر

أو كأننا كنا في حاجة إلى فتوى زراعة الشعر من منطقة في الرأس إلى منطقة أخرى في رأس الإنسان نفسه، لأنها لا تحمل تغييرًا في خلقته، واختلفوا في جواز زراعته من شخص لآخر، ووقف الطابور على عيادات الأطباء لحين الفصل في الأمر «نزرع من رأس لآخر أم ننتظر»؟.

وكأننا كنا أيضًا في حاجة إلى فتوى دار الإفتاء بأن إلصاق جريمة التحرش النكراء على نوع الملابس وصفتها وشكلها تبرير وأهم، لا يصدر إلا عن ذوى النفوس الضعيفة والمريضة والأهواء الدنيئة، فالمسلم مأمور بغض البصر عن المحرمات في كل الأحوال والظروف، حتى وقف المتحرشون انتباه، ولم يتقدموا خطوة واحدة ناحية السافرات الكاشفات، وعاشت البنات في سلام وأمان، وخرجن ليلًا بالمكشوف والعريان لا يخفى أحدًا، وسلمن من كل سوء بفضل فتوى دار الإفتاء المصرية.

ونحن مازلنا وقوفًا على أبواب المقابر والجبانات نتحسر على ما ضاع من أعضاء الموتى، وكانت ترفع عن الناس عذاباتهم، وتعينهم على قسوة الحياة، وهي تذوب وتتحلل في التربة، وقد كان أولى بها المرضى والمعاقين، لأن بعضا من المشايخ قد حرَّم نقل الأعضاء من واحد إلى الآخر حتى لو كانت بضوابط، والكثير من المسائل نقف على أبوابها لا نأخذ منها ما ينفع الناس، بل ما يضر وما يؤسف عليه، كالطلاق الشفوى والميراث وغيرهما، وكأن الأجدر والأنفع أن يضبطها القانون، وتضيق وتتسع حسب احتياجات الناس ومنافعهم، وإلا قُل بالله عليك من الأحق بالاتباع: القانون أم الفتوى؟.

القانون هو الأحق والأولى بالاتباع بعيدًا عن سيطرة هؤلاء جميعًا، فقهاء ومشايخ وممولين، فلم تتقدم الدنيا إلا بالعلم والعمل، والالتزام بالدستور والقانون حين يتسارعان ويتسابقان في تلبية احتياجات الناس، ولم نتأخر إلا بالأخذ بالفتوى والكسل والتغافل عن مصالح العباد، إرثًا بلا وارث، ووقفًا بلا مصلحة..

 

الوسوم
اظهر المزيد

عادل نعمان

كاتب مصري، متخصص في تحليل خطاب الإسلام السياسي.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق