أركان الإسلام

المعنى الحقيقي للعبادة في الذكر الحكيم

المسلمون مطالبون بالتدبر في الآیات القرآنیة

العبادة هي استثمار الحياة في اتجاه معين، وأداء الشعائر لن يخرج عن المعنى الحقيقي للعبادة طبعًا لكنها لن تكون كلها بهذا المعنى.

من ذلك فإن العبادة والخلافة صنوان مترادفان، فالعبادة هي خلافة عندما تُفهم بأنها إثمار وإعمار للحياة.

وحول ذلك یقول د۔ أحمد العمري في کتابه (البوصلة القرآنیة) أن الخلافة في الأرض هي عبادة أيضًا ما دامت مشروطة بالإيمان والعمل الصالح.

تلاحَم المعنى العبادة الحقيقي والخلافة إذن ليشكل هذا البعد الجديد في نمط التفكير المسلم.

فهذا البعد من وجهة نظر الكاتب يرى وجود هدف ومقصد لكل شيء في خلقه ووجوده على الأرض بل في كل ما أمر به الله عز وجل.

ضياع المعنى الحقيقي للعبادة في التفاصيل

في قصة البقرة في الخطاب الالهي قال تعالى: «وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تَذْبَحُوا بَقَرَةً ۖ قَالُوا أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا ۖ قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ (67) قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّن لَّنَا مَا هِيَ ۚ قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَّا فَارِضٌ وَلَا بِكْرٌ عَوَانٌ بَيْنَ ذَٰلِكَ ۖ فَافْعَلُوا مَا تُؤْمَرُونَ (68) قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّن لَّنَا مَا لَوْنُهَا ۚ قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَّوْنُهَا تَسُرُّ النَّاظِرِينَ (69)»(البقرة).

نجد تجسيد لعمل تعبدي شائع في كل الشرائع وهو ذبح الحيوانات لوجهه تعالى، وكان للقصة هدف آخر في بيان قدرة الله على إحياء الموتى.

وقف بنو إسرائيل عند هذا الأمر الإلهي دون الوصول إلى المقصد، وألهتهم التفاصيل الهامشية، ضاعوا فيها بأسئلتهم الكثيرة عن شكل البقرة ولونها حتى أخرجتهم عن المغزى الأصلي للقصة ومقصودها.

ولأن الخطاب الإلهي لا يسرد قصصًا على سبيل التسلية وحاشاه عن ذلك ، فإن قصة البقرة موجهة للناس في كل العصور، وما أحوجنا نحن الآن إلى التدبر فيها وإسقاط أحداثها على الواقع الذي نعيشه الآن.

ضياع المقصود من العبادة بالخلافات والجدال

يقول «العمري» لو أننا دققنا النظر في أوضاعنا مع تفاصيل العبادات أو الأوامر الشرعية بصفة عامة نجد أنفسنا نفعل كما فعل بنو إسرائيل.

على سبيل المثال في كل هيئة من كل ركن وسُنة من أركان وسنن الصلاة إبتداء من النية إلى التسليم يوجد اليوم ومنذ قرونًا متطاولة تراكمات هائلة من التفاصيل والخلافات والجدال.

وضع اليدين، القراءة بعد الإمام، الجهر بالآمين، التكتف بعد الركوع أو الإسبال، النزول على اليدين للسجود أم الركبتين، تحريك الإصبع عند التشهد…إلخ.

كل تلك التفاصيل تكفي لأن تملأ مجلدات بأكملها وقد ملأت بالفعل دون أدنى مبالغة، وتملأ مع المجلدات عقول المصلين وتشوش أفكارهم وتحول كل هذه التفاصيل إلى غايات بحد ذاتها وتضيع المعنى الحقيقي للعبادة.

لا خلاف على تحري الهيئة التي كان يصلي عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم، لكن تراكم التفاصيل والجدال بشأنها يضيع الهدف والمقصود من الصلاة نفسها وعلاقة العبد الخاصة مع الله سبحانه.

نتجادل ونكثر من التشددات كما فعل بنو إسرائيل مع البقرة حتى نصلي وما نكاد نفعل كما ذبحوها وما كادوا يفعلون.

وعلينا أن نتذكر هنا السياق القرآني ففي نفس السورة التي حملت اسم البقرة تجد التشريعات الخاصة بالعبادات وأركان الاسلام، فكان المغزى واضح وهو أن نضع أمامنا في كل ممارسة لعبادة وركن من أركان الاسلام قصة البقرة للنظر للمقصد وألا نغرق في التفاصيل.

سمو المقاصد موجودة في كل ركن من أركان الإسلام وكل حكم من أحكامه.

لو تأملنا في كل أركان الإسلام لوجدنا المقاصد الاجتماعية التي قصدها معنى الاستخلاف والتي تخرج عن إطار الطقوس والشعائر التقليدية إلى مساحة أوسع بكثير.

العبادات تخرج عن كونها مجرد شعائر إلى تأسيس بناء اجتماعي متماسك ونظام متكامل وضعه الإسلام وذلك هو المعنى الحقيقي للاستخلاف.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى