رؤى

المفكر علي الشرفاء الحمادي وتحرير العقل العربي من أوهامه التراثية

يستمد المنتمون لكافة تيارات الإسلام المعاصر مرجعيتهم الدينية وفتاويهم الإرهابية من أحاديث ومرويات

د. حسن حماد

يعتبر المفكر الإماراتي الأستاذ علي الشرفاء الحمادي واحداً من أهم المفكرين المعاصرين انشغالاً بقضية نقد التراث الديني من داخله مستنداً إلى رؤية عقلانية منفتحة ومتفائلة لا ترى في الإسلام سوى ديانة حب وتحرر وعدل وتسامح. ففي كل ما يكتبه من مقالات، وفي كل ما قدمه للمكتبة العربية من كتب وإصدارات نجد هذه الروح المتسامية التي تنزع نحو تقديم خطاب ديني هادئ ومنفتح ومتسامح ومتحرر من كافة الرؤى التعصبية الضيقة والمتشنجة.

والرؤية التي يسعى الشرفاء لتقديمها تتضمن جانبين: جانب نقدي وتفكيكي لبعض المفاهيم البشرية، التي أصبحت من فرط تكرارها وتداولها أقرب إلى المسلمات المقدسة. والجانب الثاني هو جانب إيجابي يوضح ويكشف للقارئ الأبعاد المستنيرة والمشرقة في ديننا الإسلامي.

وفي هذا المقال سوف نتوقف عند بعض الأوهام التراثية التي تصدى لها الشرفاء بالنقد والتفنيد والتفكيك. وفي مقدمة هذه الأوهام التي يتصدى لها مفكرنا مصطلح (أهل السنة والجماعة)، وهو مصطلح يوحي بأن هذا الفريق أو هذا الفصيل هو وحده من يُمثل الدين الصحيح، وهو من يملك الحقيقة المطلقة.

وإذا تساءلنا عن السبب الذي جعل مصطلح أهل السنة والجماعة يتخذ في الوجدان الإسلامي هذه المكانة المثالية المرادفة لمفهوم حراس العقيدة أو حماة الدين سنجد بأنهم أوهموا الناس بأنهم وحدهم يمتلكون مفاتيح الجنة وصكوك الغفران عبر بعض الأحاديث والمرويات التي وضعوها جنباً إلى جنب مع كتاب الله الكريم، وخاصة ذلك الحديث الضعيف الذي كان سبباً في تفشي الطائفية وافتراق الأمة على عدد من الفرق الدينية، وهو حديث يقول ما نصه: «ستفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة قيل: من هي يا رسول الله؟ قال من كان على مثل ما أنا عليه وأصحابي». والحديث يُروى بصيغ متعددة ومتنوعة مما يؤكد مدى هشاشة هذا القول المنسوب زوراً للرسول محمد عليه الصلاة والسلام.

وقد مارس هذا الحديث دوراً بارزاً في المدونات التي تتحدث عن الفرق والنحل، وكان له دوره الخطير في إقصاء الآخر لدى أهل السنة في مواجهتهم للفرق الإسلامية المغايرة لهم، ولأي فصيل يمكن أن يختلف معهم في الرأي أو المعتقد، إذا اعتبروا أنفسهم أنهم وحدهم من يمثل الفرقة الناجية!

وترتبط عقيدة أهل السنة والجماعة بعدد من الرموز الدينية المتشددة في تاريخ الحضارة الإسلامية مثل الشافعي، أحمد بن حنبل، ومالك بن أنس وأبي حنيفة النعمان، والباقلاني، والبخاري، والغزالي، وابن تيميه، وابن قيم الجوزية… وعشرات غيرهم. وللأسف فإن هذا الفكر المتشدد هو الذي تسيد معظم تاريخنا العربي الإسلامي، ولذلك ليس مستغرباً أن يتواصل هذا التيار ويستمر مع حركة محمد عبدالوهاب في شبه جزيرة العرب، والتي مارست بدورها تأثيراً كبيراً على قادة التنظيمات الإرهابية المعاصرة خاصة عند ابي الأعلى المودودي وحسن البنا وسيد قطب وتابعيهم من الجماعات السلفية والجهادية المعاصرة التي اعتاد البعض أن يُسميها بالإسلام السياسي.

ويستمد المنتمون لكافة تيارات الإسلام المعاصر مرجعيتهم الدينية وفتاويهم الإرهابية من أحاديث ومرويات نُسبت ظلماً للرسول محمد عليه الصلاة والسلام ولصحابته. ولقد أفرزت هذه المرجعيات الطائفية المختلفة طوائف سياسية متناحرة ومتعصبة استباحت لنفسها دور الوصاية على عباد الله من المسلمين، فإذا بهم يحاسبون الناس على عقائدهم ويتهمونهم بالكفر ويحكمون عليهم بإقامة حد الردة بالقتل، علماً بأنه لا يوجد في التشريع الإلهي في القرآن ما يُسمى زوراً وبهتاناً بحد الردة، الذي تم اختلاقه لتوظيفه سياسياً في الانتقام من أصحاب الفكر المخالف لأطروحاتهم الدينية.

ويرد الأستاذ الشرفاء على هؤلاء بأن الله لم يعين أو يفوض عنه وكلاء في الأرض ليراقبوا الناس في ممارستهم لعقائدهم حتى الرسول عليه الصلاة والسلام نفسه هو مبلغ للرسالة وليس وصياً على أحد يقول الله تعالى:{رَّبُّكُمْ أَعْلَمُ بِكُمْ إِن يَشَأْ يَرْحَمْكُمْ أَوْ إِن يَشَأْ يُعَذِّبْكُمْ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ وَكِيلاً} (الإسراء: 54)

فضلاً عن أن الله منح عباده حرية مطلقة للإيمان به أو الكفر، وتلك علاقة فردية بين الله والإنسان، فكيف لأحد من خلقه أن يتدخل في هذه العلاقة المقدسة، وإذا كان الله سبحانه لم يكلف رسوله r، وكيلاً عنه على الناس، وحارساً على العقيدة فكيف لهؤلاء أن ينصبوا أنفسهم وكلاء عن الله، وأن يتحدثوا بأسمه، وأن يظنون أنهم وحدهم المالكون للحقيقة المطلقة !

إن الله يخاطب الناس بقوله في كتابه الكريم:-

{وَقُلِ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ فَمَن شَاء فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاء فَلْيَكْفُرْ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَاراً أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا وَإِن يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاء كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءتْ مُرْتَفَقاً} (الكهف: 29)

وقوله تعالى: {وَلَوْ شَاء رَبُّكَ لآمَنَ مَن فِي الأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً أَفَأَنتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ} (يونس: 99)

وقوله تعالى أيضاً: {ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ} (النحل: 125)

إن الله وحده هو من يملك سلطة الحساب، ولذلك لم يُشرع الله لأي إنسان حق محاسبة الناس على اعتناقهم لعقائد أخرى، فالناس أحرار في عقائدهم وفي إيمانهم، وهذا تحسمه هذه الآية الكريمة:-

{إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ} (الحج: 17)

وعن حكم المرتد يقول القرآن الكريم:-

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَلاَ يَخَافُونَ لَوْمَةَ لآئِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ وَاللّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ} (المائدة: 54)

ومن الأوهام التراثية الراسخة التي يرددها المسلمون دون تفكير مقولة الأركان الخمسة. وعن هذه المقولة يقول الأستاذ الشرفاء في كتابه: المسلمون بين الخطاب الديني والخطاب الإلهي.

«فمن ذلك القول إن أركان الإسلام الرئيسية قد انحصرت فيما أسموها الأركان الخمسة للإسلام، حيث تربت عليها أجيال ونشأت على تعليم أركان الإسلام بأنها تنحصر فقط في «النطق بالشهادتين، وتأدية الصلاة والزكاة والصوم والحج، إذ اعتبرها إسلاماً في حد ذاتها، وليس في المبادئ التي تدعو إليها ولم يكلف العلماء – الذين روجوا وادعوا اختزال الإسلام فيما أسموه بالأركان الخمسة أنفسهم مشقة تبيان الأركان الحقيقية للإسلام الذي تضمنته آيات القرآن الحكيم، إن كل ما فعله دعاة الإسلام وشيوخه القدماء وقاموا به، أنهم نقلوا إلينا مفاهيم وتأويلات فقهية واجتهادات بشرية حولت الوسائل التي هي الشعائر وجعلتها غايات» (ص 87)

ويستنتج الشرفاء من أن اعتقاد المسلمين بالأركان الخمسة قد أدى بهم إلى اختزال الإسلام في الشعائر والطقوس، مما أدى بالكثير منهم إلى ازدواجية الاعتقاد والسلوك، فعندما تصبح الممارسات التعبدية هي الغاية والهدف من وراء الدين تتراجع المبادئ والقيم الإنسانية العليا، وتصبح بلا قيمة طالما أنها تصل لمصاف الأركان المؤسسة للإسلام.

“إن جملة الممارسات والشعائر التعبدية من صلاة وصيام وزكاة وحج هي في حقيقة الأمر مجرد وسائل تدفع بالإنسان إلى الوصول إلى الإسلام، الذي هو مجموعة من القيم العليا والمبادئ السامية التي جاء بها القرآن، ودعا إليها النبي وكافة الأنبياء من قبله.

إن مصطلح الأركان الخمسة، إنما هو من قبيل الوضع الاصطلاحي الذي وضعه الفقهاء استناداً لرواية البخاري ومسلم، منقولاً عن عمر بن الخطاب، قال سمعت رسول الله عليه الصلاة والسلام يقول بُني الإسلام على خمس: (شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت).

وبهذه الرواية يتم اختزال الإسلام بكل عظمته وثرائه في هذه الأركان الخمسة، أي في مجموعة من الممارسات التعبدية والشعائر الشكلانية، التي يظن بعض المسلمين أن الفرد إن أقامها حسن إسلامه واستقام دينه، حتى وإن كان سارقاً أو خائناً أو كاذباً أو قاتلاً !

والمتأمل في آيات القرآن الكريم سيجد أنها جميعاً تحض المسلمون على التمسك بالأخلاق والقيم النبيلة وتدعوهم إلى مطابقة الإيمان مع السلوك، والابتعاد عن النفاق، وتقوى الله في كل فعل أو سلوك يقوم به المسلم مصداقاً لقوله تعالى:- {لَّيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَـكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلآئِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّآئِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُواْ وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاء والضَّرَّاء وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَـئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَـئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ }  (البقرة: 177).

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى