طاقة نور

الهداية والعرفان في تفسير القرآن بالقرآن

لو أنصف الناس وتركوا التعصب للتقليد لرجعوا كلهم إلى دين الله

القرآن فوق الأفهام والتفاسير جميعها، بمعنى أنه لا يمكنها حصر معانيه ولا تحديد مراميه، فهي ترجمة له، وليست حجة عليه.

جاءت هذه العبارة في كتاب «الهداية والعرفان في تفسير القرآن بالقرآن» لمؤلفه محمد أبو زيد الدمنهوري، والذي سنعرض منه أجزاء على حلقات متتالية.

مقدمة الكتاب

يقول المؤلف في مقدمة الكتاب: ولقد كان من فضل الله بعث الرُسل لكل الأمم، فإذا مات رسول ونسي الناس تعاليمه أو خللوها بالخرافات والبدع، جاء رسول آخر يجدد لهم الدين، ويُصدّق من سبقه من الأنبياء والمرسلين، «وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ ۖ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ ۚ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ» (النحل: 36) ثم اقرأ الأعراف.

فالدين في الأصل واحد، وهو دين الله، ولو أنصف الناس وتركوا التعصب للتقليد لرجعوا كلهم إلى ذلك الدين، ولعلموا أن دين الله لا يتضارب ولا يتناقض.

القرآن يصدّق الكتب

ولما كان القرآن آخر الكتب الإلهية، كان واجبًا على الناس أن يرجعوا إليه لمعرفة حقيقة الدين.

والقرآن هو الذي حُفِظَ بما لم يُحفَظ به غيره، لأن الله يريد أن يجعله دائمًا، وقد كانت الكتب السابقة في زمن أممٍ لم تنضج النضج الكامل، فكان التشريع على قدر عقولها وأحوالها الاجتماعية.

حتى إذا نضجت الأمم وتم استعدادها جاءها القرآن بالتشريع الكامل، فهذه هي الحكمة في حفظ القرآن وبقائه من غير نَسخٍ ولا تبديل.

وإنه فوق تشريعه الاجتماعي الكامل، جاء بأصول الكتب السابقة كلها، فهو مصدّق لها وداعٍ إليها، والذين يؤمنون بها يؤمنون به. (اقرأ الأحقاف).

حالة المسلمين

ربما يعترض بعض الناس ويقول: إذا كان القرآن قد جاء بأصول الاجتماع الكاملة، فلماذا نرى المسلمين على حالتهم هذه المتأخرة؟

فالجواب: أن هؤلاء المسلمين قد بعدوا عن القرآن ولم يعملوا به، ففريق منهم لم يفكر فيه واكتفى منه بالانتساب إليه، والفريق الآخر- الذي يظن أنه متمسك به- بعد عنه من جهة الخطأ في التعاليم.

التفاسير

وقد بلغ الدس والحشو في التفاسير، أنك لا تجد أصلًا من أصول القرآن إلا وتجد بجانبه رواية موضوعة لهدمه وتبديله.

والمفسرون قد وضعوا هذا في كتبهم من حيث لا يشعرون، وقد جعلوا الاصطلاحات والمذاهب الفقهية والكلامية أصولًا حكموها في القرآن، وأنزلوه عليها حتى صار ميدانًا للجدل، وأصبح غير صالح للحياة بما حملوه من أثقال، وبما وضعوا فيه من الجمود والعراقيل، ووسائل التفريق والشقاق.

فهدايته فُقِدَت بالمجادلات في الألفاظ والمذاهب، ومعانيه ومقاصده ضاعت بالروايات الناسخة والتفسيرات المتحجرة العقيمة.

ولم يخل تفسير من هذا، لأن المفسرين يقلد بعضهم بعضًا. ولقد وصل التقليد بهم إلى حد أني قرأت في بعض المسائل خمسين تفسيرًا مطبوعًا ومخطوطًا، فلم أر في واحد منها غير الذي رأيته في الآخر مما يرجع أصله إلى رواية مكذوبة أو رأي ميتٍ لا يصح أن يكون تفسيرًا لكلام الله.

وقد تغيرت معاني القرآن أيضًا وتبدلت مقاصده، باعتماد المفسرين على بعض كتب اللغة التي تفسر الألفاظ بلازمها، وتقصرها على بعض معانيها.

وقد سرى التقليد واستعمال الاصطلاحات في قواميس اللغة كما سرى في غيرها، حتى  إنك لتجد كثيرًا من ألفاظ القرآن في تلك القواميس مفسرة بما فسرت به في كتب فقه الأحكام، فتكون بذلك بعيدة عن فقه اللغة فيتغير معناها المراد في القرآن.

تفسيري وطريقتي فيه

فهذا كله دعاني إلى تفسيري، وأن تكون طريقتي فيه كشف معنى الآية وألفاظها، بما ورد في موضوعها من الآيات والسور، فيكون من  ذلك العلم بكل مواضيع القرآن، ويكون القرآن هو الذي يُفسّر نفسه كما أخبر الله، ولا يحتاج إلى شيء من الخارج غير الواقع الذي ينطبق عليه ويؤيده من سنن الله في الكون ونظامه في الاجتماع.

وقد اخترت أن يكون على عدد الآيات في المصحف لتبقى الهداية بالترتيب الذي اختاره الله، وليمكن الباحث عن معنى الآية أن يلاحظ سياقها، فيقرأ ما سبقها وما لحقها من الآيات، ليكون على عِلمٍ تام وهداية واعظة.

بهذه الطريقة في التفسير لا تجد شيئًا يشغلك عن القرآن، وإنما تنتقل منه إليه لتجمع مواضيعه، وتوفق بين آياته، فيكون كل تفكيرك وتدبرك محصورًا فيه، فتعظم بمعلوماته، وتهتدي بهداه.

.وإن آراء المفسرين تابعة للبيئة والظروف المحيطة بهم، وهذه تتغير وتتجدد، فالجمود على آراء فاتها الزمان مؤخرة للأمّة، وجعل القرآن مقيدًا بهذه الآراء ضارٌ به، لأن ذلك يجعله غير صالح لكل وقت فيضيق سعته.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى