أخطاء شائعة

الوعي والخريطة الذهنية

غياب الإدراك الصحيح يشكل حاجزًا كبيرًا بين ما هو حادث وما يمكن حدوثه

من الصعب الآن حصر عدد المرات التي أكد فيها الرئيس عبدالفتاح السيسي أهمية «الوعي» في المسار الحالي للنهضة المصرية.

المفهوم أيضًا يتردد كثيرًا في منتديات النقاش العام لوصف فجوة ما بين واقع الأداء الجاري في البلاد وما يمكن أن تصل إليه بصورة أكبر وأسرع إذا ما كان الوعي متوافرًا.

غياب الوعي هكذا يشكل حاجزًا كبيرًا بين ما هو حادث، وما يمكن حدوثه إذا ما توافر الإدراك الصحيح لما يجب على الإنسان أن يفعله تجاه الكثير من الشؤون العامة، وفي مقدمتها الأمور المتعلقة بعمليات التنمية والصحة العامة وأهمية التعليم ومراعاة القانون والقيام بالواجب الوطني وهكذا أمور.

أهمية الوعي

والحقيقة هنا هي أننا عندما نتحدث عن «الوعي» فإننا نتحدث عن «غياب الوعي» أو نقصانه أو ما اعتراه من زيف أو تشويه. و«الوعي» هكذا كمفهوم مماثل لمفهوم الأمن (الإنساني أو الوطني أو الإقليمي أو الدولي) الذي عندما نتحدث عنه فإن مجمل ما يقال سوف يدور حول حالة غياب الأمن أو انعدامه أو نقصانه، وتكون المهمة هي استكمال كل ذلك.

وسواء كان الموضوع هنا أو هناك فإن القضية العملية تصير البحث عن تلك الحلقة الخفية التي تتسبب في التغيير السلبي للحالة من غياب ونقص، وفي حالة الأمن فإنها أكثر ظهورًا لأن وراءها مصدر للتهديد قد يكون عدوًا خارجيًا أو مصدرًا لعدم الاستقرار داخليًا أو التنمر تجاه الأقليات أو النساء أو الأطفال، ومن ثم تكون المعالجة بمنع أو تقييد أو القضاء على هذا النوع من التهديد.

حالة الوعي أصعب وأكثر تعقيدًا لأنها تأتي من ذهن الإنسان وعملية استيعابه وفهمه للواقع وإدراكه للحقيقة في مجملها وما يترتب عليها من نتائج سلبية إذا لم يقم بفعل ما، ويكون العكس صحيحًا إذا ما قام بأفعال بعينها أو حجب الفعل في قضية أخرى.

الوعي اللازم للمرحلة الحالية

الاجتهاد هنا في الحالة المصرية هو أن ما يقف بين الإنسان المصري والوعي اللازم لهذه المرحلة من تاريخه هو أن الخريطة الذهنية له فيها من العوار ما يحتاج معالجات من المجتمع ومفكريه والدولة وأدواتها.

وربما تكون أولى النقاط في هذه الخريطة هي عما إذا كان موضوعًا للقضاء والقدر، أو أنه مدرك للأسباب التي تشكل الواقع الذي يتعامل معه. إنها المفارقة هنا بين «التسليم» بالنتيجة دون مساءلة عما كان وراءها، و«الاختيار» المستند إلى الأخذ بالأسباب العلمية وقوانين الطبيعة.

في الثقافة المصرية العامة فإن الأولى ذائعة بشدة، وهي التي تقود منطقيًا إلى الزيادة السكانية لأن فيها تسليمًا بما سوف يأتي من خَلَف وما هو متوقع من أرزاق. وهي التي تؤدي إلى دخول الكثيرين إلى كليات جامعية، أو مجالات عمل، أو حتى الزواج، وكلها على سبيل «القسمة» و«النصيب» دونما بحث عن الأسباب في جميع الحالات، وعما إذا كانت قدرات الشخص متوافرة بالقدر الذي تسمح له بالسير في هذا الطريق أو ذاك.

أهمية الوعي للخروج من الاتجاه الاستسلامي

ما حدث لدينا في الخريطة الذهنية أن ما جعله الدين تسليمًا يأتي في آخر ما يتخذه الإنسان من أسباب ويقوم به من عمل وما يتوفر له من اجتهاد، فيكون في الواقع هو الأول في الترتيب، ويصبح الأمر الواقع أو حتى الصدفة، أو ما حصل عليه الإنسان من شفاعات أولياء الله هي التي تقرر المصير في الشهادات والصفقات والأولاد.

عكس هذا الاتجاه الاستسلامي يأتي من خلال العلم والمعلومات والمعارف والمقارنة مع تجارب الآخرين. في هذه الأخيرة فإن الشائع في مصر هو القول الساخر حول ما يحدث في «أوروبا والبلاد المتقدمة» على سبيل ادعاء التشبه بما لا ينبغي التشبه به لأنه يحمل ذنبًا أو خطيئة أو معصية، أو لأنه بعيد عنا في بلاد أخرى ليست لها «الخصوصية» التي نتمتع بها.

هذه «الخصوصية» تحتل جزءًا مهمًا من الخريطة الذهنية المصرية، وبشكل ما فإنها تشكل استراتيجية دفاعية تجاه أشكل مختلفة من التداخل غير المحمود مع ثقافات أجنبية. ولكنها عند الإفراط فيها تصبح نوعًا من الاستثناء للمصريين بين بني البشر.

محاولات الإصلاح

فيما بين عامي ١٩٧٣ عندما جرت حرب أكتوبر وحتى نشوب الثورة المصرية الثانية في ٢٠١٣، فإن كثيرًا من محاولات الإصلاح جرت، وكانت البداية فيها عقد اتفاق مع المؤسسات الدولية مثل صندوق النقد الدولي أو البنك الدولي للإصلاح والتعمير أو غيرهما.

وفي كل مرة وعندما يقترب الإصلاح من الألم فإن النتيجة تكون التراجع أو الانسحاب على أساس أن «روشتة» الصندوق (النكد الدولي) لا تنفعنا، وأن ما نفع في دول أخرى لا ينفعنا. جزء مهم من هذه الحالة الاستثنائية يعود إلى جانب آخر من الخريطة الذهنية يقوم على أن ما ذهب وراح هو في حقيقته أفضل مما هو الآن، وبالتأكيد ما سوف يأتي في المستقبل.

خصوصية الثقافة

الماضي هو «الزمن الجميل» الذي كان فيه المجد، والأيام السعيدة، والأسرة المترابطة، وساعات الإفطار والسحور في رمضان، وفيه غناء أم كلثوم وعبدالحليم حافظ. ورغم أن هذه الحالة من الذكريات لها أسبابها، إلا أن الغلو فيها، وهو الأرجح، يؤدي إلى حالة من الاغتيال للواقع، وإنكار ما يوفره من إمكانيات (تكنولوجية وفكرية وثقافية)، وما يوفره من فرص، وما يحققه من إدراك لعوالم لم يعرفها العالم من قبل.

فك هذه الخريطة بأننا جزء من الجنس البشري، وأن ما لدينا من خصوصية فهى مميزات ثقافية نشأت في عصور تغيرت وتبدلت، ولكنها ليست ستارًا ثقيلا على مستقبل مفتوح على مصراعيه لكل بني الإنسان.

الخريطة الذهنية المصرية

الخريطة الذهنية المصرية فيها الكثير من الندوب والجروح والتحيزات المتعلقة بكل ما يتعلق بالآخر. الأنباء المتكررة عن «التنمر» ضد النساء أو الأطفال أو الأجانب أو أصحاب الأديان أو العقائد الأخرى، يجري عليها كثير من الإنكار، وربما الإغراق بالكثير عن أشكال التسامح. وهي يمكن فهمها على ضوء تاريخ طويل يصل إلى ثلاثة آلاف عام من الغزو الأجنبي وتغيير الملل والنحل حسبما جاء من غزاة. ولكن استمرارها دونما صدق ومصارحة يخلق حواجز ذهنية كثيرة أمام عمليات التعبئة والحشد الضرورية للبناء الوطني والمنافسة في السباق العالمي.

رفع الحواجز عن التاريخ بما كان فيه من اضطهاد أحيانًا وعبودية أحيانًا أخرى، واستمرار كل ذلك في حاضنات اجتماعية تأخذ الإرث من النساء والقاصرين، أو تستبعد هذا أو ذاك من المشاركة يحرم النهضة المصرية من الشمول والاستيعاب والتطور الطوعي للجميع. رفع هذه الحواجز من داخل الخريطة الذهنية يأتي من تغيرات الروافد التي أنشأتها وباتت تغذيها بوسائل شتى. بعض من ذلك يأتي من تغيير البيئة المادية، وبعضه الآخر من روافد الخريطة الذهنية في التعليم والثقافة والإعلام والأسرة أيضًا، ولكن هذه قصة أخرى.

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى