رؤى

بارقة أمل في عصر الظلام

كتاب «المسلمون بين الخطاب الديني والخطاب الإلهي»، يشكل انعطافة في التفكير الإصلاحي

بعد تصفح مستهل كتاب «المسلمون بين الخطاب الديني والخطاب الإلهي» للمفكر العربي علي محمد الشرفاء الحمادي، وقبل الخوض في المضامين الأساسية التي اضطلع بها المطبوع، شعرت بصدق نوايا المؤلف وحرصه الشديد وغيرته على الدين، بلا دافع ولا منفعة ذاتية، كما يفعل الكثير من الباحثين من نسختنا العربية.

قلبت صفحات الكتاب الأولى، فشدني المؤلف بعرضه المبسط للموضوع والذي اتسم بالاعتدال والوسطية المغيبين عن الفعل الحقيقي؛ بسبب تقاعس السلطات ومهادنتها لرجل الدين الذي تصرف بثوابت الدين بما يحفظ له مكانته الدنيوية، بعيدًا عن روح الدين وإن كان ذلك على حساب دماء المسلمين وزرع الفتنة بينهم.

مستهل كتاب المسلمون

وقد شدني التقديم للكتاب الذي وضعه أستاذ الفلسفة دكتور حسن حماد، إذ استهل بقوله: «تشهد الساحة العربية والدولية في الآونة الأخيرة أحداثًا إرهابية ودموية مروعة تمارس باسم الإسلام…» ص21.

نعم، كل تطرف يرتكب باسم الإسلام فهل هو «إسلام الموت أم موت الإسلام؟»، هذا هو أحد عناوين مؤلفاتي الذي سمحت لنفسي بطرحه في ظل هذا الصراع المخيف الذي يعصف بالأمة الإسلامية، خصوصًا في العقدين الأخيرين من عمرها.

وببساطة متناهية «المتأسلمون السبب»؛ لا علاقة للإسلام كمنظومة فكرية «دنيوية وأخروية» بكل هذا الخراب، الإسلام بريء تمامًا من كل ما يحدث من قتل وتخريب وتشريد وانتهاك للحقوق الإنسانية باسمه.

فالإسلام ــ كما يؤكد الكتاب الذي بين أيدينا ــ دين سلام ومحبة وأمن وأمان للجميع، حتى مع بقية الأديان هو إصلاح وتعمير العقل والأرض والإنسان، ولا شك في ذلك كما طرح ذلك المؤلف في ثنايا استعراض مادته من خلال استعراض ما ورد في دستور الأمة «القرآن الكريم».

ومن ثم جلب انتباهي الإهداء الذي تصدر الكتاب وقد جاء فيه: «لسيادة الرئيس عبد الفتاح السيسي رئيس جمهورية مصر العربية…»، ص25.

الإسرائيليات في الخطاب الديني

معرجًا على دوره ومسئوليته الجسيمة تجاه إعادة الأمة للتفكير جديًّا بخطابها الديني، وتنقيته من كل ما لحق به من إسرائيليات.

هي دعوة مستحقة تمامًا في ظل ما تشهده الأمة العربية والإسلامية من فتن كقطع الليل المظلم، عناوينها دينية ومخرجاتها تفرقة الأمة وتشتتها باسم المذهبية والطائفية والمناطقية والعرقية وسواها، ولما تمثله مصر العروبة اليوم من عمق للعرب جميعًا تتطلع لها أنظار الشعوب العربية لقيادة ثورة الإصلاح الديني والعودة إلى القيم الإسلامية الحقيقية والقضاء على التطرف من خلال احتضان العرب ورعاية الفكر الإصلاحي، بصرف النظر عن جغرافية انطلاقه، ولا غرابة فمن مصر ولدت معظم حركات الإصلاح والتجديد الديني عبر العصور، ولا يشكك عربي بأبوة مصر للعرب في ظل تشرذم الأنظمة العربية ودخولها تحت طائلة العقاب اليهودي للعرب بأيدي العرب أنفسهم وهي الرابحة على الدوام، كما عرج المؤلف على هذا المعنى وأثبت بالدليل والحجة أن بني إسرائيل وعبر عصور الإسلام تسعى جاهدة للنيل من الفكر الإسلامي، وهذا ما سلط المؤلف الضوء عليه متفضلًا.

دعوة مخلصة لكل مسلم يحترم عقله

وما دفعني لتناول هذا العنوان المهم مقدمة المؤلف والتي استهلها بقوله:

«إن هذا المؤلف هو دعوة مخلصة لكل مسلم يحترم عقله ويحمد الله تعالى ويشكره على نعمة العقل والأسماء التي علمها آدم التي أودعها الله سبحانه إياه، هي عقله؛ ليستكشف بها المعارف ويستنبط بها قوانين الحياة لتعمر الأرض عدلًا وسلامًا ورحمة» ص31.

هذا القول بحد ذاته هو دعوة للاحتكام لقول الخالق والابتعاد عن قول المخلوق، لأن الفارق بين القولين هو النسبة بين الحق الذي يمثله الله سبحانه وبين الباطل الذي يعتري قول المخلوق لا لشيء سوى لأنه بشر يخطئ ويصيب، وهذا النداء العقلاني يصرح به كل عقلاء الأمة لكي نتوحد.

فلنتوحد بقول الله وندع قول عبد الله لكي نرقى لا بد لنا من إتقان لغة الرأي والرأي الآخر والإيمان المطلق بأن لا أحد في هذا العالم يمسك بالحقيقة، ذلك أنها نسبية ومتوزعة على الآراء والعقول، ولا أحد يدعي أنه يمتلكها بالمطلق، ولكي نحيا بسلام لا بد من قبول الآخر المخالف لنا في الرأي.

التعايش السلمي بين سكان الأرض

ثم عرج المؤلف وبطريقة ترتكز على المحاججة التي شاعت في عصور الإسلام الذهبية، فمحق الحجة بالحجة والرأي بالدليل، وهذا هو عين الصواب في الخطابات المعتدلة، والتي ترسخ مبدأ التعايش السلمي بين سكان الأرض، وحسنًا فعل المؤلف بتسليط الضوء على ثقافة الإسلام التي تؤمن باختلاف الدين والمعتقد والرأي، شريطة أن يتحمل كل ذي رأي مخرجات ما آمن به، نعم هي ثقافة ديننا الحنيف الذي لم يُكره أحد على الإيمان به وما كان سلاحه سوى الحجة والإقناع والتعامل بالحسنى مع الآخر.

إن كتاب «المسلمون بين الخطاب الديني والخطاب الإلهي»، يشكل انعطافة في التفكير الإصلاحي المبني على أسس رصينة لا يمكن التشكيك بصحتها، ذلك أنه اعتمد الخطاب الإلهي في الفصل بين المختلفات، وهذا ما نحن بأمسّ الحاجة له، فقد شرذمتنا الخطابات الدينية التحشيدية لمذهب أو لطائفة وجعلت دم المسلم أرخص من مياه البحار المالحة.

مطامع لا محدودة 

يقول المؤلف: «دللت آيات القرآن الكريم على سوء النوايا عند بني إسرائيل، وشخصت النفس الإسرائيلية وفضحت مطامعهم اللا محدودة وارتكابهم لأبشع الجرائم لتحقيق مآربهم…» ص37.

وهذا ما أثبتته الوقائع على الأرض من خلال الجهد الكبير الذي تبذله إسرائيل للنيل من الدين الإسلامي، وخصوصًا القرآن الكريم الذي فضح تاريخهم وعرج على مثالبهم في قتلهم لأنبيائهم وحربهم ضد رسولنا الأكرم (ص) على الأرض، والحرب الفكرية التي ما توقفت إلى يومنا هذا بقول البشر عرض الحائط فما من حجة على المخلوق سوى العقل، به أدرك أن القرآن الكريم هو كتاب منزل لا يأتيه الباطل من أي جهة من جهاته بناء على قوله تعالى: (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ) (الحجر: 9) .

وعلى هذا المنوال وجدت أن المؤلف قد افتتح بحثه، ورغم أن هذه الدعوة المخلصة لعامة المسلمين هي من دعوات العقلاء والمعتدلين، إلا أنها تصطدم بجدار الجهل الذي بنته الفرق والمذاهب المتخلفة وجعلت منه حائلًا بين الحقيقة والعقل.

القرآن الكريم ينظم شؤون الحياة

ثم توغل المؤلف في شرح ما يتضمنه بحثه هذا، وكلما تابعت معه في القراءة كلما ازددت ثقة بأن الرجل يقف على قاعدة متينة وينطلق من نقطة انطلق منها كل عقلاء الأمة، وهي القرآن الكريم الذي يشكل الحجة الوحيدة على من آمن بالرسالة الإسلامية بأن يخضع لمتبنيات النظام القرآني في تنظيم شؤون الحياة، لا سيما تنظيم علاقة المخلوق بالمخلوق، والتي تسببت في كل هذه الصراعات وأنتجت كل هذا الخلاف بين الآراء المختلفة والأفكار التي أنتجتها عقول تنتمي للإسلام في ظاهرها، وهي مغلفة بالجهل والخديعة تحاول تفريق وحدة الأمة وشق صفها.

ثم عرج المؤلف على مسألة في غاية الأهمية يشكل التصريح بها خطرًا كبيرًا وقد يعرض متبنيها للتصفية الجسدية، وهو موضوع تأليه أشخاص مخلوقين على حساب الخالق في وضح النهار وبلا حياء، وربما يصل الأمر إلى أن بعض الفرق جعلت من رموزها بديلًا عن الخالق؛ فطلبت منها الصفح والغفران والرزق والصحة والمال والبنون وما إلى ذلك، متناسية رب العزة الخالق القادر على كل شيء، وهذه الظاهرة قد تسببت في إشاعة الفساد وسوء الخلق بين الناس لإقناعهم بأن فلان يشفع لمرتكب أي إثم، شريطة أن تبجله وتعليه فوق مقام الخالق، ولا أحد يستهجن أو يعجب من هذا القول بالله هو حاصل في معظم المذاهب والفرق المحسوبة على الإسلام، وحسنًا فعل المؤلف في تسليط الضوء على هذه الظاهرة الخطيرة.

الخطاب الديني سبب التشرذم

وقد خلص المؤلف إلى حقائق يؤمن بها كل المعتدلين، إلا أنهم لا يصرحون بها، وهي أن الخطاب الديني اعتمد أقوال البشر وبنى عليها أفكاره واستنبط منها أحكامه وركن إليها تمامًا، وهذا المنهج هو سبب التشرذم.

أما الخطاب الإلهي فهو قول الله تعالى في كتابه الكريم، وأقول على مسئوليتي إن الفارق بين الحق والباطل قولك «قال فلان»، فهي تحتمل الخطأ والشذوذ، وقولك: «قال الله» هو الحق. والمرء مخير في اتباع أحد السبيلين؛ فذاك الباطل وهذا الحق المبين.

وما أريد قوله في نهاية هذه الإطلالة اليسيرة على كتاب «المسلمون»: أهنئ المؤلف الأستاذ علي محمد الشرفاء الحمادي على هذا الجهد الكبير والدعوة المخلصة، آملًا أن يصل هذا المطبوع لمعظم الأيادي العربية، خصوصًا تلك القطعان التي اتخذت من الآلهة الأرضية بديلًا عن الخالق فقدست ما لا يستحق التقديس، وأهملت المقدس.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى