رؤى

بالفعل والعمل… لا بالكلام!

الدعوة عن طريق مخاطبة الناس بالمواقف والتصرفات والأفعال

يبدو أننا أحوج الأمم إلى تذكير أنفسنا بأن مخاطبة الناس بالمواقف والتصرفات والأفعال، أقوى كثيراً وأبعد أثراً وتأثيراً من مخاطبتهم بالكلام.

الكلام بغير أفعال تصادقه وسلوك يشهد به، أشبه بالحرث في البحر، لا يوجد له صدى حقيقي ولا طحن له. يسهل علينا الكلام لأنه لا يقتضينا مجهوداً ولا يلزمنا بالتزام، ومن الناس من يعشق التشدق به خطيباً أو متحدثاً أو متخايلاً، لا يُلقى بالاً لأثر كلامه الذي لم يجاوز في مقصده إبهار السامعين ببلاغته وفصاحته!

وقد يبدو للوهلة الأولى أن الدعوة القولية هي وحدها التي تقبل الإعداد والتخطيط والتنظيم واتباع المناهج وتعديلها حسب ظروف الزمان والمكان، وأن الدعوة عن طريق مخاطبة الناس بالمواقف والتصرفات والأفعال، تستعصي على فكرة الإعداد والتخطيط والتنظيم والمناهج، لأن زمام هذا النوع من الخطاب في يد آحاد، يتوقف على سلوك كل منهم الشخصي، بيد أن هذا الظن غير صحيح، فالسلوكيات والتصرفات والأفعال تقبل بدورها الدراسة والإعداد والتنظيم، ولكنها تحتاج إلى مزيد من الصدق، ومزيد من شجاعة القلب وقوة التماسك والثبات.ومهما سلّمنا بوجود قدر في خطاب الدعوة يجري بالمواقف والتصرفات والأفعال، إلا أن الدعوة القولية هي الطاغية، فهي أقل مشقةً وأيسر أداءً، فلا يقتضي بذل الكلام جهداً كثيراً ولا عناءً، ولا يكلف صاحبه في الأغلب تضحية في أطماعه أو في أمواله، ولا يقتضيه تغييراً في عاداته وأسلوب حياته، في الوقت الذي يجذب إليه الأنظار، ويحقق له السمعة، ويشهد له بين الناس بالعلم والفضل.

ويبدو واضحاً من مراجعة التاريخ والحاضر، أن مخاطبة الناس بالكلام، هي الأسلوب السائد، وأن الصلة بين الكلمة والفعل تكاد تكون مقطوعة، حتى ساد منطق: «قل ما يرضي الناس، وافعل ما شئت».. فالناس ذاكرتهم ضعيفة فلا يقارنون ما يحدث بما سبق أن قيل، ولا يسألون بالتالي عن الذرائع التي تركت الوعود وانقلبت بالأفعال والأعمال إلى نقيضها؟..

انفصلت الكلمة تماماً، أو كادت، عن الكلام، ومن هذا الانفصام حدثنا القرآن الكريم، فقال: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لاَ تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتاً عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لاَ تَفْعَلُونَ « (الصف 2، 3).

وأشر وأكثر سوءاً من هذا الفصام، أن تنقطع، أو تكاد، مخاطبة الناس بالمواقف والأعمال والسلوك والأفعال، فيغدو الخطاب كله كلاماً في كلام!! وما أسهله على الأدعياء وهواة التباهي بالكلمات، ولا سيما الضخمة أو ذات الرنين!

ومع أن الكلمة في ذاتها هي قوام كل الحضارات، وكتب ومدونات الأديان، والمؤلفات والآداب والأشعار، وكتب العلم، فإنها يجب أن تكون موصولة بالفعل، إلاَّ أن هذه الصلة الواجبة لم يكن لها وجود في الجاهلية العربية.

ومن المؤسف أن انفصام هذه الصلة الواجبة، قد صار إلى ظاهرة محيرة ومؤسفة على الساحة العربية، رغم تحذير القرآن والسنة من انفصام الفعل عن الكلام نربيها في أطفالنا دون أن ندري حين نخوفهم بكائنات لا وجود لها كالغول والشمّامة وغير ذلك من التخاريف التي تساق لترهيب الصغار.

ومضى هذا الشرخ إلى قلب المعاني، فالبطولة بالكلام، وكذلك الشجاعة والبسالة، حتى إن كذّبها واقع الأفعال. معنى هذا الانفصام بين الكلمة والفعل أن نعيش حياة منبتّة الصلة بما ندعيه ونتقاوله.. وأن الباطن غير الظاهر، والانخداع بالظاهر يصرفنا عن الباطن، عن الجوهر!.. جوهر الآدمي في سلوكه وفعله قبل أن يكون في قوله وتشدقه! لذلك قيل إن الإيمان ليس بالتمني، وإنما بما وقر في القلب وصدّقه العمل!

كثرت لدينا الكلمات حتى فقدت معانيها، ونسي النـاس أنه مـع قيمـة وعظمة الكلمة، إلاّ أنها مرهونة بما تعبّر عنه في دنيا الواقع والفعل والسلوك.

ويبدو أن اعتقادنا المبالغ فيه في قوة الكلام وقدرته، نابع من كوننا قد عشنا أحقاباً على الأماني، ففقدنا ثقتنا بالمحدود المعين المقدور في التنفيذ، وفقدنا الاستعداد النفسي لبذل الجهد. والصوفية على سواء حين يفرقون بين «الرجاء» باعتباره الثقة فيما عند الله التي تحدث للعامـل الناشط، وبين «الأمنية» من حيث احتمال تحقق المراد المأمول بغير اتخاذ أسبابه.

ونحن بين يدي الأمنية نتخلى عن الإرادة أو ما يتصل بها من عمل ورجاء معقود بالله طي هذا العمل، ونستسلم استسلاماً تاماً مريحاً لما ستجىء به الأيام كيفما تجىء. على أن فقدان الرجاء يعطل معظم إرادة الإنسان، فيعاف ويكره كثيراً مما يحتاج إلى جهد ومثابرة ووقت.

لذلك ففقدان الرجاء معناه فقدان أهم وأشرف حافز يحفز إرادة الآدمي ويحركها إلى العمل والمثابرة عليه وإتقانه وتجويده. وقد تحول ذلك مع الزمن إلى داء مزمن ضمرت معه الإرادة البشرية، واستغنى الناس بالأمنية عن الرجاء، واكتفوا في ظل الإرادة الضامرة بالانتظار، واعتادوا عليه، هاربين دائماً من الرجاء الخصب إلى غرور الأماني الجدباء!

وخلال ذلك وقع الخلط بين بساطة الإسلام وبين السهولة، فاعتقد البعض أن الإسلام بسيط بمعنى أنه سهلٌ لا يتقاضى من المسلم جهداً ولا عزيمة ولا تضحيات، وأدى هذا ومهّد ووطّد لسيادة الكلام والفصاحة وحلولهما محل الأعمال والأفعال. لا ينبغي لعاقل أن يتصور أن الإخلاص لله تعالى أمر هين لين، فكيف يتصور أن يكون الإسلام سهلاً هيناً؟!

بساطة الإسلام معناها أنه قادر قدرة عجيبة على إبراز ما هو جوهري ومفيد في أغراضه، وعلى استبعاد كل ما يحجب الجوهر من الحواشي والتفصيلات. فبساطة الإسلام ترجع إلى أدائه لمضمونه، ومقدرته على أداء هذا المضمون أداء ناصعاً مباشراً. وهذه البساطة نقيض تلك السهولة الكلامية البدائية التي تكتسح ما هو جوهري وأساسي.

فالإسلام بسيط من جهة حرصه الشديد على رؤية ما هو جوهري وما هو مفيد في الحياة، مرتسماً بقوة على سلوك المؤمن وتصرفاته في حياته الخاصة والعامة. وكما حصل الخلط بين بساطة الإسلام وبين السهولة، حصل التمييز بين المتدين والمستقيم، فلم تعد البيئات الإسلامية تعتبر التدين مرادفاً للاستقامة ملازماً لها لا ينفك عنها.

وقد نتج عن طول سيادة الكلام وانفصال الدعوة القولية عن خطاب الناس بالمواقف والتصرفات والأفعال والسلوك أن ضعفت قدرة اللغة الإسلامية على التوصيل، وانفصلت في الغالب عن الواقع والحقيقة! إن وراء ميل معظمنا إلى الاشتغال بالأغراض الضخمة والإصلاحات الكلية، فضلاً عن جاذبيتها، بقية من فقدان الرجاء وضمور الإرادة والهرب من ملاقاة الواقع والتعامل معه ومعاناته.

ولن يستطيع أفراد المسلمين أن يصلحوا واقعهم مع المحافظة على حرياتهم وحقوقهم إلاَّ إذا لاقوا هذا الواقع بأنفسهم، وعانوه بأشخاصهم منفردين ومشتركين في إصلاحات جزئية وأغراض معينة محددة يكون في استطاعتهم هم التعرف عليها والقيام بتنفيذها.

وهذا يأخذنا إلى قضية أخرى هي قضية اتجاه الإسلام: هل هو يتجه إلى الماضي كما ينعي عليه خصومه، أم أنه يتجه إلى الأمام نحو المستقبل متخذاً من الماضي قوة تؤيده وتسدد خطاه؟!

والملاحظ أن الناس يقبضون على ماضيهم بعناد وإصرار وتعصب حين لا ينجح الحاضر في اكتساب ثقتهم، وحين ينفرهم هذا الحاضر ويزعجهم، وحين يحسون أن القيم اللازمة للحياة الكريمة غير مصونة ولا محترمة.

وهذه آفة خطيرة، لأن الإنسان ابن مستقبله، وليس ابن ماضيه أو حاضره.. لكنه يتخوف من غده دائماً بالالتفات إلى الحاضر وتصوره للماضي!

نقلًا عن «الوطن»

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى