رؤى

بعضنا أكثر ظلمًا من «كفار قريش»

ما مواصفات الدولة الفاشلة الآن؟

عماد الدين أديب
Latest posts by عماد الدين أديب (see all)

تحت هذا العنوان كتب عماد الدين أديب مقاله المنشور في جريدة «الوطن» المصرية، يتناول فيه حال أمة العرب في ذكرى الهجرة النبوية ..

وجاء في المقال:

الصفات الخمس كما نعايشها الآن: فقر في البيوت، فساد في السلطة، ميليشيات في الأمن، ازدواجية في السلاح، ولاء خارج الحدود، ثورة في الشارع!

الجوع، الفساد، الميليشيات، السلاح غير الشرعي، الولاء لغير الوطن، غضب الشوارع، هذه هي «مقادير كعكة» الدولة الفاشلة!

إذا استمرت هذه الكعكة تحت نار متصلة انفجرت واحترقت واحترق معها مشروع الدولة الوطنية!

نحن الآن على أعتاب ما قبل الانفجار والاحتراق والتفحم في كل من: اليمن، وسوريا، والعراق، وليبيا، ولبنان، والصومال.

ست دول عربية مرشحة لمشروع الدولة الفاشلة، ودولة تحت الاحتلال الإسرائيلي في فلسطين، ونظام حكم عربي خليجي في قطر يرى ولاءه الرئيسي في «أنقرة وطهران».

هذا حال أمة العرب اليوم، التي لا يتوقف فيها القتل والرصاص وقتل الشقيق لأخيه الشقيق حتى أصبحنا نعيش ليل نهار في حالة «العدو الشقيق»!

المؤلم أننا نستدعي السفير من الخارج حتى نستقوى به لتصفية أشقائنا أبناء الوطن الواحد!

ذهاب «الولاء الوطني» هو المقدمة المنطقية والطبيعية لضياع مشروع الدولة الوطنية.

الهجرة النبوية وتأسيس أول مجتمع إسلامي

هذا حالنا اليوم، ونحن نحتفل بذكرى الحدث التاريخي لتأسيس نواة أول تجمع بشري ومكاني للدولة الإسلامية، حينما هاجر سيد الخلق، عليه أفضل الصلاة والسلام، بصحبة أبي بكر الصديق، رضي الله عنه، من مكة إلى يثرب، التي أصبحت بعد ذلك المدينة المنورة، بعدما شرّفها الرسول، عليه الصلاة والسلام.

في العام 14 من البعثة النبوية، الموافق للعام 622 ميلاديًا، وبعد الإيذاء والتنكيل والظلم غير المتناهي من كفار قريش للمسلمين الأوائل الذين جهروا باتباعهم رسالة الإسلام، والإيمان برسوله، عليه أفضل الصلاة والسلام، جاء إذن السماء بالهجرة.

عاش المسلمون الأوائل حتى الهجرة أيامًا صعبة، ومظالم لا تُطاق، وتعذيبًا فوق القدرة الإنسانية للتحمّل، قاطعوهم، حرّموا البيع والشراء معهم، تسببوا في إفقارهم وتجويعهم، حتى إن سيد الخلق كان يتجوّل على بيوت الصحابة الكرام بحثًا عن أى طعام أو قطعة خبز يداوي به جوعه.

لم يكن محمد، عليه أفضل الصلاة والسلام، أول من أوذى وهاجر، فقد سبقه في ذلك سيدنا إبراهيم وسيدنا موسى، عليهما السلام، وأذوى وكُذّب كل من نوح ويوسف وعيسى، عليهم السلام.

مجتمع المدينة

أذن الله للمسلمين أن يهاجروا من موطن بيته الحرام إلى «يثرب»؛ لتأسيس نظام بشري يقوم على التسامح والمؤاخاة، والتعاون، واحترام الآخر، وإنهاء الفوارق الطبقية وتكوين مجتمع لا فرق فيه بين غني وفقير، ولا تمييز فيه بين رجل وامرأة، ولا فضل فيه لأبيض على أسود، ولا سطوة فيه لقوي على ضعيف، الجميع سواسية كـ«أسنان المشط»، ولا فضل لعربي على أعجمي إلا بالتقوى.

وحتى تتحول هذه الأفكار من حالة إنسانية نموذجية في الرقي والسمو الأخلاقي تمت ترجمة ذلك إلى نظام حكم ودستور حياة فيما عُرف بـ«صحيفة المدينة» أو العهد النبوي (صلى الله عليه وسلم).

كانت هذه الصحيفة أول دستور مدني متكامل في التاريخ يرسي قواعد المواطنة ويُثبت أركان العدل بين مكونات المجتمع وطوائفه، بحيث يلزم بها الجميع سواء كانوا مسلمين أو غير مسلمين بمنطق المواطنة المتساوية، ما دام ولاؤهم للوطن، وطالما يشتركون جميعهم فيما بينهم في حماية الدولة من أي عدوان خارجي.

جاء فى البند رقم 25 من الوثيقة: «وإن يهود بني عوف أمة مع المؤمنين، لليهود دينهم، وللمسلمين دينهم، مواليهم وأنفسهم إلا من ظلم وأثم».

وجاء في البند رقم 37: «وأنه لا يأثم امرؤ بحليفه»، وكان في ذلك نهي عن سلوك مقيت في عهد الجاهلية تؤذى فيه قبيلة بأكملها إذا اقترف أحد أفرادها خطأ أو جرمًا، وكان في هذا البند تطبيق حرفي لما جاء في قوله تعالى: «كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ» (الآية 21 في سورة الطور).

حال أمة العرب

انظروا حال أمة العرب والمسلمين اليوم مقارنة بمبادئ صحيفة المدينة:

ثروات دول تُغتصب، حكام ينهبون المال العام، طوائف تُضطهد، ديانات أخرى يتم تكفيرها، مدن تُحرق، وعواصم تُهدم على رؤوس سكانها؛ لأنها تتبع فكرًا آخر، أو ديانة أخرى، أو طائفة مخالفة، أو مذهب أقلية، أو قبيلة مغضوبًا عليها، أو أسرة ليست ذات نسب وجذور.

اليوم ونحن نحتفل بذكرى الهجرة النبوية يجب أن ندرك أن الهجرة أكبر من مجرد مناسبة دينية جليلة، لكنها «حدث تاريخي عظيم» بدأ لتشييد المجتمع النموذج لدولة الإسلام فى المدينة المنورة.

الهجرة النبوية هي من دار العنف والابتلاء والإيذاء في مكة المكرمة التي كانت أحب بقاع الدنيا لقلب سيد الخلق، عليه أفضل الصلاة والسلام، إلى «يثرب» التي نصره وانتصر فيها أهلها له ولمبادئ دينه السمح العظيم.

هاجر الرسول حتى تكون العبودية خالصة لله وحده دون سواه، ليست لفرد أو آلهة من دون الله، أو لقبيلة أو لسلطة.

هاجر الرسول ليحقق وحدة الصف الإنساني والتآخي في الدين والإيمان، وقبل ذلك كله طاعة لأمر السماء.

يا له من اختلاف جذري بين حال المدينة المنورة في صدر الإسلام، وحال المنطقة اليوم.

في زمن تزداد فيه الحريات الشخصية، ويتم تدعيم الحريات العامة، وقيم التسامح، ومحاربة كل أشكال التمييز، ورعاية حقوق الإنسان، والحفاظ على البيئة، وإنقاذ النباتات العطرية، وصيانة المحميات الطبيعية، وتأمين الحيوانات والطيور من الانقراض، ونزع الألغام، وحماية البحار والأنهار والمحيطات من التلوث، يعربد البعض في هذه المنطقة من العالم، ويضرب عرض الحائط بكل القيم والمبادئ والأخلاقيات وقواعد الإيمان ومقاصد الأديان السماوية.

ما نراه اليوم في بعض أماكن العالمين العربي والإسلامي هو دعوة مفتوحة للهجرة والفرار من ظلم مجتمعات وأنظمة أبشع ظلمًا وإيذاءً من كفار قريش!

يا للهول!

الوسوم
اظهر المزيد

عماد الدين أديب

كاتب صحفي وإعلامي مصري، شغل رئاسة تحرير كلًا من: "جريدة الشرق الأوسط"، مجلة "سيدتي"، "المجلة"، "جريدة العالم اليوم"، "مجلة كلام الناس". قدم العديد من البرامج التليفزيونية على قناة اليوم، وبرنامج بهدوء على "سي بي سي".

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق