أخطاء شائعة

بين «تقية» يعقوب و«معاريض» حسان

هكذا كان ومازال صناعة مشايخنا، يجدلون من الشرع فتاوى وأحكامًا تدفع شبابنا إلى قتل الناس بالباطل

«التقية» في الأصل «إخفاء معتقد خشية الضرر»، وأن يُظهر الشخص عكس ما يُبطن، وقد كانت رخصة مباحة عند المسلمين الأوائل، وكذلك عند معظم الأديان الأخرى «عدا الديانة المسيحية» خشية التمييز والاضطهاد والظلم.

وقد واجه الأوائل ألوانًا من التعسف والعنت والتعذيب ما فاق قدراتهم وصبرهم، فكان التصريح للمسلمين بإنكار عقيدتهم، وإخفاء دينهم إن خافوا على أنفسهم وأهليهم، بل أُجيز لهم أيضًا إظهار الكفر للناس، وكان الرسول يأمر المؤمنين في بداية الدعوة «فترة الاستضعاف» بإخفاء إسلامهم والظهور بمظهر العوام في القول وفي الفعل.

وأكاد أجزم أن هذه الرخصة قد سُحبت من المسلمين جميعًا عندما أصبح للدين قوة ومنعة «فترة الاستقواء»، فلا يُعقل أن يغزو الأوائل بلادًا ويكتموا إيمانهم عن أصحاب البلاد الموطوءة، إلا أن الشيعة قد اعتبروا التقية أصلًا من أصول الدين، من لا يقول بها فلا دين له، وسحبوها بالطبع على فترة الاستبداد والقهر والمطاردات في العهدين الأموي والعباسي، وكان هذا مقبولًا ومسموحًا به، إلا أنه لا يجوز أن يظل هذا السحب وهذا الجر إلى وقتنا هذا.

و«المعاريض» من التعريض في القول، وهو أن يقول الشخص لفظًا يحمل معنيين في وقت واحد، معنى يتوهمه السامع، ومعنى آخر يقصده القائل «التورية»، وهي كما شرحها النووى «أن تطلق لفظًا هو ظاهر في معنى، وتريد به معنى آخر لكنه خلاف ظاهره، وهذا ضرب من الغش والخداع».

وقالوا عن الرسول: «إن في المعاريض لمندوحة عن الكذب»، ومندوحة «فسحة أو متسع»، وقال فيها ابن الخطاب: «في المعاريض ما يُغني الرجل عن الكذب»، وهي رخصة كانت كسابقتها حين يتعرض المؤمن للهلاك أو القتل، ولا يجوز فيها القسم أو اليمين، فضلًا عن أنها لا تكون على حساب حقوق الغير، وقد أعطانا من قبل الشيخ محمد حسان مثالين في هذا الشأن،

الأول: إذا سُئلت عن كم تتقاضى أجرًا أو مكافأة في أمر أو مهمة أو عمل، فإن كان الرد لعلة: «لا أتقاضى مليمًا واحدًا عن هذا»، وأنت تتقاضى بالجنيه أو بالدولار فلا لوم عليك،

والثاني: إذا سُئلت عن مكان أحد، الوالد أو الأخ مثلا، وكانت الإجابة: «ليس موجودًا هنا الآن»، وأنت تقصد أنه ليس موجودًا في الصالة «بهدف إخفائه»، وهو داخل البيت في غرفة من الغرف، وتعلم ذلك، فلا عتاب عليك، ولا حرمة في ذلك.

والأمثلة كثيرة على النحو المذكور، إلا أن المسلمين قد توسعوا فيها ومدوا لها حبال الكذب على آخره، حتى «تظن» أن حياة الناس كلها تبدأ صباحًا على الكذب وتنتهي عند المساء على ضلال، إلى أن أخرجوا التشريع من مضمونه، وأزاحوا القصد منه، وألحقوه بدوائر الكذب، وداروا به في سواقي الخسائر والمكاسب والحرام والحلال وأكل حقوق الناس بالباطل، وآخرهم شهادة الزور أمام القاضي.

ولو تدارس هؤلاء تاريخ الفقهاء العظام الذين رفضوا التقية والمعاريض، وقالوا كلمة الحق في وجه سلطان جائر، واستدلوا بأن التقية والمعاريض في غير محلها كذب وزور وبهتان عظيم، لأدركوا أن هذا الحكم «موقوف» على فترة الاستضعاف وحماية الدين فقط، وليست رخصة سارية المفعول، ولا تُجدد إلا عند الضرورة القصوى، وليست على هوى الشيخ «يعقوب» لتوريط أبنائه وتلاميذه المضللين في قضية «داعش إمبابة»، ولا على هوى ومزاج «محمد حسان» حين نهب أموال العقيد القذافي، ودولارات قناة الناس، وقال لم أتقاضَ من كليهما مليمًا واحدًا، وقد تقاضى الملايين منهما.

فهذا إمامهم العظيم «أحمد بن حنبل» لما دعا المأمون إلى القول بخلق القرآن «على المذهب المعتزلي» أجابه معظم فقهاء ومشايخ عصره بالقبول مخافة القتل وقطع الرقاب، إلا «أحمد بن حنبل» ومعه نفر قليل، وسِيق إلى مقر الخليفة بالأغلال، وضُرب بالسياط، وحُبس في سجن الخليفة عامين، ولم يتنازل عن رأيه، فهل لم يقرأ إمام أهل السنة والجماعة ما قرأه يعقوب وحسان عن التقية والمعاريض؟

بلى لقد قرأ الرجل واستوعب وفهم مقاصد التشريع، إلا أنه قد تمسك بقول الحق على معتقده، وقال أمام القاضي ما قاله أمام العامة، مهما لاقى من ظلم وتعذيب، وكان يجب أن يكونوا كذلك «بغض النظر عن موقفي من قضية خلق القرآن»، وعلى الوجه الآخر فهذا «الحسين بن منصور الحلاج» الذي استقبل الموت بشجاعة، وواجه القاضي بما كان يواجه به عامة الناس دون كذب أو خداع، وكانوا قد نصحوه بـ«التقية» بالكذب ورفض.

وأود أن أردد ما جاء على لسان كبير القضاة في بغداد «أبوعمر الحمادي» الذي حاكم «الحلاج» بتهمة الكفر والزندقة، وذلك على لسان الشاعر «صلاح عبدالصبور» في ديوانه «مأساة الحلاج»، حين رد على حاجبه ابن سليمان عن عقوبة الحلاج:

«نحن قضاة.. لا جلادون.. ما نصنعه أن نجدل مشنقة من أحكام الشرع.. والسياف يشد الحبل»، هكذا كان ومازال صناعة مشايخنا، يجدلون من الشرع فتاوى وأحكامًا تدفع شبابنا إلى قتل الناس بالباطل، وإن سألتهم كذبوا على الله تحت دعاوى «التقية» تارة و«المعاريض» أخرى، وهما كذب على الله وبهتان لو تعلمون عظيم.

«الدولة المدنية هى الحل»

نقلًا عن : المصري اليوم

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى