الخطاب الإلهى

تأمَّل العظات الإلهية في القصص القرآني

رسالة الإسلام لبناء مجتمع الفضيلة والرحمة والعدل والسلام

اقتضت رحمة الله وحكمته أن يعرض في كتابه القصص القرآني ليسرد للناس أحوال من سبقهم من الأمم، ويضرب الله بها الأمثال كيف غضب الله عليهم وأذاقهم العذاب بما ظلموا وأفسدوا بما ارتكبوه من الشرك بالله، واستباحة حقوق الناس واستخدامهم أبشع وسائل القتل والتعذيب لمن خالفهم.

لم يتوانوا حتى عن قتل الأنبياء والإساءة إليهم بكل وسائل تشويه السمعة، وبث مختلف الإشاعات ضد من يتبع رسل الله.

فالله يريد من القصص في قرآنه أن يعتبر الناس بمن سبقهم ولا يقعوا في نفس الأخطاء التي أدت بهم إلى الضلال، ويحذِّر الناس عما جرى على الأقدمين من عقاب إلهي أهلكهم ودمر حضاراتهم وأصبحوا أثرًا بعد حين.

وهذا من لطف الله بعباده فهو لا يريد لهم العذاب والهلاك، بل يريد سبحانه أن يجنبهم غضبه وعقابه كما وعدهم بقوله تعالى: «مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً ۖ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ» (النحل : 97).

قاعدة إلهية للاستفادة من القصص القرآني

وقد وضع الله سبحانه للناس قاعدة أزلية بعدم اتباع الأمم السابقة وما ارتضوه من تشريعات وأعراف وعادات تتناسب مع أحوالهم في عصورهم، ذلك أن لهم اجتهاداتهم ومفاهيمهم التي استنبطوها واستحدثوها بأفكارهم ولم يلزمنا الله سبحانه باتباع تشريعاتهم وفتاويهم، بل يلزمنا الله باتباع ما بلغه الرسول الأمين للناس من الآيات البينات وما تضمنته من تشريعات وعظات تمشيًا مع القاعدة الإلهية في قوله سبحانه: «تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ ۖ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُم مَّا كَسَبْتُمْ ۖ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ» (البقرة : 134).

وهذه الآية ترفع الحرج عن الناس ولا تلزمهم باتباع عقائد وتشريعات وتقاليد وأعراف وتراث مَن سبقهم من الأمم، لذلك فإن الإيمان بالله لا يحتاج إلى جدال أو مناقشة بين الحق والباطل.

فالله وكتابه ورسوله هُم الحق وما عداهم الباطل اتباعًا لقوله سبحانه: «اتَّبِعُوا مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاءَ ۗ قَلِيلًا مَّا تَذَكَّرُونَ» (الأعراف : 3).

كما أن الله سبحانه كلَّف رسوله عليه الصلاة والسلام بإبلاغ الناس بالمنهاج الإلهي فيما أنزله عليه من آيات بينات في القرآن العظيم، وأن ينذرهم بقوله سبحانه : «يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا» الأحزاب : 45).

وأمر الله لرسوله في قوله: «فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَن يَخَافُ وَعِيدِ» (ق : 45) لأن الله قد كلفه بأمر واضح لا لبس فيه ولا شك بقوله: «المص (1) كِتَابٌ أُنزِلَ إِلَيْكَ فَلَا يَكُن فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِّنْهُ لِتُنذِرَ بِهِ وَذِكْرَىٰ لِلْمُؤْمِنِينَ (2)» (الأعراف).

المنهاج الإلهي للعبادات

فالدنيا دار امتحان، وأسئلة الامتحان يوم الحساب ستكون موضوعة من المنهاج الإلهي في كتابه المبين، والإجابة ستكون من خلال المذاكرة والاجتهاد في اتباع المنهاج الإلهي والتعامل به في الحياة الدنيا والإخلاص في العبادات وتطبيق التشريعات والابتعاد عن المحرمات وعمل الصالحات، والتمسك بقيم القرآن والأخلاقيات التي اتبعها الرسول في سيرته من حسن المعاملة مع أهله وقومه ومجتمعه الإنساني دون تفرقة فى المعاملة حسب المعتقد أو اللون أو الوطن.

ومن اجتهد والتزم بكتاب الله وسيرة رسوله المستمدة من الآداب القرآنية قولًا وعملًا في حياته الدنيا فسوف يجتاز الامتحان بتفوق، ونتيجة الامتحان سيكون الجزاء رضى الله وجنات النعيم، وأما من اتبع مناهج البشر وأقوال ناقلي الروايات والإسرائليات المحرَّفة والأكاذيب على الله ورسوله فنتيجتهم الفشل والحسرة، لأنهم خسروا الدنيا والآخرة في الامتحان، والجزاء نار جهنم وبئس المصير.

الحوار بين الأئمة وأصحاب الروايات

ويصور للناس القرآن الكريم الحوار التالي بين الأئمة والدعاة وأصحاب الروايات والأحاديث التي أضلوا بها الناس كما قال سبحانه: «وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُم مُّسْوَدَّةٌ ۚ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِّلْمُتَكَبِّرِينَ» (الزمر : 60 ).

وقوله تعالى: «وَإِذْ يَتَحَاجُّونَ فِي النَّارِ فَيَقُولُ الضُّعَفَاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا فَهَلْ أَنتُم مُّغْنُونَ عَنَّا نَصِيبًا مِّنَ النَّارِ (47) قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُلٌّ فِيهَا إِنَّ اللَّهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ الْعِبَادِ» (غافر : 48).

ثم يقول أحدهم وهو في حسرة وندم كما صوره القرآن: «وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلى يَدَيْهِ يَقُولُ يا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلاً (27) يا وَيْلَتى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلاناً خَلِيلاً (28) لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جاءَنِي وَكانَ الشَّيْطانُ لِلْإِنْسانِ خَذُولاً (29)» (الفرقان).

فيجيبهم الشيطان مستهزأ بهم ساخرًا من اتباعهم له: «وَقالَ الشَّيْطانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَما كانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطانٍ إِلاَّ أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ ما أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَما أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِما أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ» (إبراهيم : 22).

رسالة الإسلام تمنح الحرية للإنسان

فليستيقظ الناس قبل يوم الحساب، وقبل أن يسبقه الأجل، ثم يندم على أنه أشرك مع الله بعضًا من عباد الله، وحينها لا شفاعة تنفعه، ولا وسيط يسعفه، فقد جفت الأقلام، ورفعت الصحف، وقد ترك الله للناس الحرية المطلقة لكل عصر ينظم أمور دنياه استرشادًا بكتابه واتباعًا لتشريعاته وما تدعو إليه من رحمة وعدل وحرية وسلام وتعاون بين الناس، وتحريم الاعتداء على حقوق الإنسان بكل أنواع الوسائل وفق متطلبات عصره.

ولا يمكن استنساخ العصور الماضية لأنها سُنَّة الله في الأرض وسُنَّة التطور، فرسالة الإسلام جاءت ثورة تصحيحية مباركة من أجل بناء مجتمع الفضيلة والرحمة والعدل والسلام على أنقاض الاستبداد والظلم والكراهية وسفك الدماء في الجاهلية وعبادة الأصنام، لتحرير العقل لعبادة الله الواحد الأحد.

وأراد الله سبحانه أن يرفع عن الإنسان الظلم، ويمنحه الحرية وأن يعتقد بأي دين يشاء لأن حسابه مع الله يوم القيامة العادل الرحيم حين يصف سبحانه ذلك اليوم، ويصور للناس المشهد العظيم يوم الحساب بقوله: «يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجَادِلُ عَن نَّفْسِهَا وَتُوَفَّىٰ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ» (النحل : 111).

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق