رؤى

تجديد الخطاب الديني في الصالونات المغلقة فقط

المؤسسات الدينية لا تقبل دعاوى تبادل الحوار إلا تحت الضغط والتضييق

السيد عبداللطيف المناوى يفتح الباب على صفحات «المصري اليوم» للبحث عن صيغة وسطى للتغلب على الانقسام غير الصحي للخطاب الديني، والوصول إلى مشروع إصلاحي بهدف التجديد.

أشكرك يا سيدي على هذه الدعوة، وإن كنت أرى أن المؤسسات الدينية لا تقبل دعاوى تبادل الحوار إلا تحت الضغط والتضييق، فتكرهنا على التوفيق بين كل المتناقضات في الحلال، وإلا لماذا لم تتقدم في السنوات العشر السابقة خطوة واحدة ملموسة في «المطبخ» في أمر التجديد؟

حين كنا بين الحياة والموت، وكنا نرفع أيدينا بعد كل مذبحة في سيناء والصحراء الغربية وبغداد وصنعاء وسرت ونيس وألمانيا وأفغانستان وباكستان على يد الدواعش وطالبان والسلفية الجهادية، ونستعيذ من الشيطان ولا نعاذ.

قبول السلم

ونطالب أهل الحل والعقد بأن يكون الخطاب صارخًا واضحًا محددًا لا يقبل القسمة أو الشك، ولا يجيرنا مجير أو مغيث، وقد كنا نخرج من كل كارثة أكثر حيرة وارتباكًا، ونتساءل من يقف في صفوف من؟!..

اليوم وبعد أن دانت «لسيف المعز» يخرج علينا من يقول «وإن جنحوا للسلم»؟!.. أتعلم يا سيدي أن قبول السلم عند هؤلاء لا يجوز إلا وقت شعورهم بالخطر وأزوف الهزيمة والهلاك، بالضبط هذه أحد وجوه «التقية» كتشويه وتقبيح الخصوم، وكل هذا مباح وجائز لكسب المعارك، ومع ذلك دعني معك إلى باب البيت!.

ما قرره فضيلة الإمام الأكبر ووصفه بانتصارهم للمرأة في توليها القضاء والوظائف العليا والإفتاء والسفر دون محرم، كلها يا سيدي مكاسب نالتها بعزيمتها وأصبحت أمرًا مقضيًا، بالضبط كما يزعم مشايخنا عند كل اكتشاف علمي أن هذا الاكتشاف راسخ ونائم بين سطور كتابنا الكريم.

وكم كنت أتمنى أن ينتصروا للمرأة دونها ومن تلقاء أنفسهم، دون إقرار أو اعتراف بحقوقها المكتسبة، ثم الادعاء بالانتصار لها.. كما أشتاق إلى أن يخرجوا علينا باكتشاف علمي منفرد دون وساطة، ودون المصادقة على الاكتشاف والزعم بامتلاكه، وهذا المثال ما أقصده (إثبات الطلاق بعد العدة وإلا لا يقع الطلاق)، كما يحدث في السعودية الآن وكما أقره المذهب الجعفري ووافق عليه الإمام الألباني والشيخ أبوزهرة والسيوطي والطوسي، والنص القرآني..

ساعتها فقط نقول إن نوايا هؤلاء جميعًا طيبة في تجديد خطاب المرأة، إن صح هذا التعبير، ثم ننقل أقدامنا معًا.

خطاب المؤسسات الدينية

أقول لك إن الخطاب المؤسسي في مصر خطابان، واحد «للصالونات» والآخر «للمطبخ»، بالضبط كخطاب فضيلته في البرلمان الألماني، وخطاب آخر يتولاه مشايخ أزاهرة وعلى المنابر أشد من الحويني وحسان والشعراوي، وسوف أطرح على سيادتك مجموعة من المسائل على مشايخنا الأفاضل للفصل فيها وضرورة ضبطها قبل التوقيع بالحضور أو الانصراف.

أولًا: عن ضبط المصطلحات والتعريفات «ما تعريف الكافر؟ وما حكمه؟ ما تعريف الشريعة والحدود الفاصلة بين حكم الله وسنة نبيه وإجماع العلماء؟ ما تعريف الفتوى والمسؤول عنها ومدى التزام المسلم بها؟ ما تعريف المعنى الإصطلاحي والتاريخي للفظ الحكم، وهل كانت الخلافة دولة أم قبيلة؟ ما تعريف الجهاد والمجاهد وحدوده وقراره وحقه في استخدام السلاح في وجود الحاكم والدولة والقانون الدولي، وهل ما زلنا نقف عند جهاد الدفع، أم تجاوزناه إلى جهاد الدواعش وطالبان «الطلب»؟ ما الحدود في القرآن، وما مدى مسؤولية ولي الأمر في إبطال ووقف العمل بها؟».

موقف المؤسسة من سبب نزول الآيات

ثانيًا: ما موقف المؤسسة من تفسير الآيات على سبب النزول وليس على مطلق اللفظ؟ وهل الأحكام زمانية مكانية تنتفي بانتفاء العلة والسبب، أو أبدية راسخة لا تتبدل ولا تتغير مهما كانت حاجة الناس للتغيير؟، وليكن السؤال مباشرًا وعلى سبيل المثال (هل يمكن إخضاع المواريث للمصلحة العامة كما حدث في عشرينيات القرن الماضي؟).

ثالثًا: ماذا عن خطاب التعامل مع الآخر.. هل سنتنازل عن هذا الخطاب الاستعلائي الاستقوائي على خلق الله، وأن دم المسلم أعلى من دم الكافر، ولا شهادة للكافر على المسلم، ولا يقتل المسلم بكافر، ولا يرث الكافر المسلم، ولا قصاص على المسلم المحصن بالإسلام إذا قتل المرتد أو الزاني المحصن أو الكافر، ودية الأَمة نصف دية الحرة نصف دية الرجل، وقتل من سب النبي وإن تاب وأناب، وقتل المرتد وتارك الصلاة، والجهاد ضد الكافر متى كان المسلم قادرًا عليه دون إذن الإمام حتى ولو لم يبدأه بقتال؟ً.. والكثير يا سيدي.. نطالبهم أولا قبل النقاش بتحديد موقفهم من هذا.

رابعًا: موقف المؤسسة الدينية من نسخ السنة للقرآن وأحكامه، والجدل الدائر حول العمل بأحاديث الآحاد، والأشاعرة أحد الفرق الكلامية التي تجيز نسخ السنة للقرآن وأحكامه.

الخطاب الديني في الصالونات

وأعطيك مثالًا واحدًا عن الخطاب الدينى في الصالونات الوثيرة عن «ختان الإناث»، يستنكرونه أمام شاشات التليفزيون، ويستنكفونه في لقاءات الصالونات والبرلمانات العالمية، إلا أن الخطاب داخل المطبخ وكراكيبه وأواني الطبخ تجده ذا رائحة نفاذة وأفظع مما تتصور، وارجع يا سيدي إلى الدراسة في المعاهد الأزهرية تدرس على أنه «مكرمة»، ويجوز محاربة الأمة المجاورة التي تمنعه وتحجبه، ويردون الأمر إلى حديث «اخفضي ولاتنهكي» وهو حديث آحاد أيضًا.

وأخيرًا، دعنا نقرر أمرًا مهمًا قبل النقاش: دين الله ديننا جميعًا، وليس بيننا وبين الله حجاب أو واسطة، ولا سلطة دينية ولا احتكار لدين الله، ولا ملكية لأحدهم للحقيقة المطلقة، نحن أكثر علمًا وفهمًا من كل من سبقونا من الأوائل، والتجديد مهمتنا جميعًا.. وعلى هذا فليتنافس المتنافسون على مرأى ومسمع من الجميع..

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى