رؤى

تراث العنف في المجتمعات العربية

الخطاب الديني ليس به عبارات مدنية ترى الآخر مواطناً مساوياً لغيره

د. سامي عبد العال
Latest posts by د. سامي عبد العال (see all)

شكَّل الإقصاء والعنف تراثاً ثقافياً في حواشي ومتون المجتمعات العربية. منذ عصور الإسلام المبكر، حين تمَّ اغتيال الخلفاء الراشدين في السياق الإسلامي الواحد تلو الآخر، حيث قُتل عمر بن الخطاب (23 هـ)، من قِبل أبي لؤلؤة الفارسي، وعُرف بعد الحقبة الصَّفوية في إيران: بابا شجاع الدِّين، وشُيد له ضريح هناك، لشحذ العاطفة العرقية والطَّائفية.

ثم الخليفة علي بن أبي طالب(40 هـ) من قِبل عبدالرحمن بن ملجم الخارجي. واغتيل صاحب علي مالك الأشتر (37 هـ) مسموماً بالعسل، وأُتهم معاوية بن أبي سفيان (ت 60 هـ) به، بالتواطؤ مع دهقان القُلزم على طريق مصر، مقابل الإعفاء من الخراج، ولما مات الأشتر ووصل الخبر إلى معاوية قال: «إن لله جنوداً منها العسل».

وتباعاً قد انتشر القتل في عهد معاوية عندما أمر بقتل حجر الكندي الذي قال عنه المسعودي هو أول من قُتل( نُحِرَ) صبراً في الإسلام، وكان القاتل قد وصفه بأنه رأس الضلال ومعدن الكفر والطغيان.

توظيف الإقصاء والعنف سياسيًا

وعلى هذا النحو كانت الاغتيالات وسيلة سياسية لترسيخ التعامل مع الأنظمة السياسية مؤيدين ومعارضين.

وهناك قصص لا تُحصى ولا تُعد من الاغتيالات الدينية ذات الدوافع السياسية. لأن العنف نبت من جذور ثقافية سيّست الدين لخدمة السلطة القائمة.

وظلت الاغتيالات أداة التغيير السياسي- ربما الأداة الوحيدة- طوال العصور العربية الاسلامية، الأمر الذي جعل التسامح عملة نادرة في ثقافتنا القديمة، بقي سياسيّاً شبحياً تحمله كلمات التمني والرجاء والجود والسخاء كما أوضحت سلفاً.

إنَّ التاريخ السياسي العربي طُبع بفكرة الاقصاء حتى الثُمالة، وهو ما كررته مفاهيم الدولة والحاكم والمؤسسات جرياً على معاني الخلافة التي شهدت الأحداث الدموية سواء أكانت حروباً بطريقة الإغارة والغزو أم ملاحقة الكفار وأهل الضلال باسم الدين.

ولذلك يصعب أن نتحدث عن التسامح بمعناه العمومي في «البيئات العربية الإسلامية». فالمجال العام ليس مُعدَّاً سياسياً بناء على مفاهيم التنوير وآلياته، لأنها بيئات طاردة وفارزة لأصحاب الديانات الأخرى.

وربما تكون هناك أقليات دينية موزعة بحسب أنماط العيش، لكنها بالنهاية تدور في فلك الأغلبية وبخاصة بصدد إدارة الشأن العمومي.

وطبقاً للأنظمة الدينية الخادمة لأجهزة الدولة تحت عباءة إمبراطور أو خليفة أو سلطان أو ملك أو رئيس، لم تعرف التسامح كحق عام يجده الإنسان المتمتع بحقوق المواطنة.

مأساة التسامح الديني

يمثل «التسامح الديني» مأساة إنسانية بملء الكلمة، لأنَّ قبول الآخر الديني والحماية القانونية لحقوقه أشياء ظلت محاطة بالمحظورات، بدءاً من وجوده اليومي وانتهاء بدور عبادته الملقاة للإهمال والسخرية.

إنَّ التفكير في الآخر نوع من العنف المقنَّع، فالخطاب السياسي ليس مؤهلاً ليكلّمه وكذلك الخطاب الديني ليس به عبارات مدنية تراه مواطناً مساوياً لغيره.

فمصطلح أهل الذمة في دولة الخلافة كان نوعاً من الفرز الميتافيزيقي، ضرب من «تسامح الاستقواء» إزاء الضعفاء. فكلما ورد وصف(أهل الذمة) على اليهود والمسيحيين كأنه يردد: أنتم أقل مكانة من المسلمين، أنتم في موضع تفتيش لما تضمرون لأن عليكم واجب ينبغي تقديمه كالجزية على سبيل المثال!!

التسامح مع الآخر نظريًا

ومع أنَّ هناك نصوصاً ذات طابع إنساني مثل أشعار الحب والغزل وكتب الرحالة والنصوص النثرية للجاحظ والتوحيدي وكتب المتصوفة، إلاَّ أنها كانت مهمشة ثقافياً، كان مصيرها الإهمال في مقابل الاهتمام بكتب الفقهاء ورجال الدين الخادمين للحكام.

وهذا ما جعل أية كتب تدور حول الإنسان والتنوع الثقافي والتعدد العرقي من باب نصوص النوادر والغرائب والطرائف، وهذه لعبة الثقافة العنيفة مع نفسها . فلم تعرف بنية المجتمع العربي استراتيجية التسامح عملياً.

ومع أنه، نظرياً، لدينا رصيد زاخر من السرديات المقدسة والأحاديث والقصص التي تتكلم عن التسامح ووجود الآخر والتصالح والإخاء، غير أنها لا تطبق في الواقع، تقف فقط عند حدود التخيُل والأوهام النظرية ليس أكثر. مما يكشف عن انفصال اللغة عن الحياة انفصالاً يعري المجتمعات ويكشف زيف الثقافة الدينية الرائجة.

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى