رؤى

تركيا.. أصول الذئاب الرمادية التي تسرح في الإقليم

التدخل في بلاد المشرق العربي لاستخدامهم لتنفيذ مهام أجندة التمدد التركية

د. خالد عكاشة

تحت عنوان «تركيا.. أصول الذئاب الرمادية التي تسرح في الإقليم» كتب د. خالد عكاشة سلسلة مقالات في جريدة «الوطن» المصرية تناول فيها الفكر المتطرف للقومية التركية..

وجاء في المقال الأول:

منذ نحو أسبوعين تقريباً، قام رئيس الجبهة التركمانية العراقية النائب أرشد الصالحي، برفع شعار «الذئاب الرمادية» خلال زيارته إلى المقرات التابعة لقوات «درع كركوك» و«فوج شهداء التركمان» بمحافظة «كركوك».

وتشارك مع «الصالحي» عدد من عناصر الأمن المحلي رفع ذات الشعار أمام كاميرات توثيق الزيارة الموسعة، التي جرت تحت عنوان الاطلاع على الأوضاع الأمنية وشد أزر القوات المحلية لمحافظة كركوك.

شعار الذئاب الرمادية خطوة استفزازية

لكن مشهد وصور النائب التركماني وهو يرفع شارة «الذئب الأغبر» أثارت حفيظة المكونات القومية الأخرى في المحافظة، بالأخص العرب والأكراد، الذين اعتبروا هذه الزيارة وما صاحبها خطوة استفزازية من قبَل التركمان.

هذا الطقس التركي الأصل؛ الذي يتمثل في تأكيد صاحبه على الانتماء إلى نوع متطرف وعنصري للقومية التركية، ظهر خلال العقد الماضي في أكثر من موضع ومناسبة، لا سيما مع التغول والانخراط التركي ف العديد من ملفات الإقليم، والذي لعبت فيه أنقرة بالأخص في بلدان المشرق العربي على المكون التركماني باعتباره ذريعة يسهل استخدامها لتبرير التدخل في شئون الغير، فضلاً عن اختراق هذا المكون بصورة مكثفة، بحيث يسهل استخدامهم لتنفيذ مهام ترتبط بأجندة التمدد التركية.

لكن يظل العراق يمثل نموذجاً متقدماً لهذا الاستخدام، فهو كفيل بإشعال نيران تضطرم بالأساس في جنبات مناطق التماس الحرجة بالعراق، تأتي في مقدمتها بالطبع محافظة ومدن «كركوك»، التي لم تتجاوز منذ 2003 وحتى الآن مسمى «المتنازع عليها».

فهي تضم خليطاً من العرب والكرد والتركمان والمسيحيين، وإن ظلت طوال سنوات على وضع متأرجح لم يحسم أمره بعد، بين ضمها أو أجزاء منها إلى حكومة المركز ببغداد، وبين إلحاقها بإقليم «كردستان العراق» المتمتع بحكم ذاتي مستقر، وبصلاحيات استقلال تشريعي وتنفيذي واسع.

تزييف الواقع

هذا هو حجمهم الطبيعي داخل المكون العراقي الكبير المزدحم بالعرقيات والطوائف، لكن بطبيعة الصخب والبروباجاندا التركية يبدو المشهد عادة في تفاصيله معبراً عن صورة مغايرة للحقيقة.

لهذا قد يكون اللجوء إلى شارة «الذئاب الرمادية» من أدوات تزييف الواقع، وإن ظل في طياته يعد أخطر تلك الأدوات على الإطلاق، فهذه الحركة العنصرية التي ظهرت للمرة الأولى بأربعينات القرن الماضي، في الخطابات التي وجهها «نيهال أستيز»، الكاتب التركي الذي تعتبره الحركة المنظّر الفكري لها، إلى رئيس وزراء تركيا آنذاك «شكري أوغلو»، محذراً من أن تركيا تبتعد تدريجياً عن الأيديولوجية القومية التي أرساها كمال أتاتورك.

ألقت السلطات القبض على «أستيز» وعدد من أتباعه باعتبارهم مروجين لأفكار عنصرية، ضمن هؤلاء أحد الضباط يدعى «ألب أرسلان توركيش»، اعتبر فيما بعد «الأب الروحي» للحركة القومية.

مبادئ الحركة القومية التركية

وتمكن من خلال كتابه الشهير «الأنوار التسعة» الذي استند إلى مبادئ «أتاتورك»، من تأصيل المبادئ الرئيسية للحركة القومية، لكن بالرغم من اقتصار مبادئ «أتاتورك» على ستة فقط هي الجمهورية، والشعبوية، والقومية، وسيطرة الدولة، والعلمانية والثورية. فإن كتاب «توركيش» توسّع عنها ليجعلها تسعة مبادئ شاملة هي القومية، والمثالية، والأخلاقيات، والعلمانية العلمية، والاشتراكية، والفلاحية القروية، والتنموية، والشعبوية، والصناعية التقنية.

ومن ثم انخرط لاحقاً في تأسيس ورئاسة حزب «الحركة القومية» عام 1969، حيث رفع الحزب منهج «طريق القومية» باعتباره النموذج الأنسب للتنمية من أجل الأمة التركية، ممثلاً لطريق ثالث وقت تنازع كل من الرأسمالية والشيوعية حينذاك.

إبان إرهاصات الحركة القومية طوال حقبة الستينات وما سبقها؛ قبل أن تتحول الحركة إلى حزب رسمي، انخرط «توركيش»، الضابط العامل بالجيش التركي، في تأسيس منظمة «الذئاب الرمادية»، لتمثل الجناح المسلح للحركة القومية المتطرفة وتعمل على توحيد جميع «الشعوب» التركية في دولة واحدة، بحسب أدبيات المنظمة والتي تبناها الحزب لاحقاً.

عقيدة التطهير العرقي التركي

مع إيمان المنظمة المطلق بعقيدة «التطهير العرقي» لضمانة النقاء التركي، ما جعل المنظمة تضمر عداءً أصيلاً ضد كل من الأكراد والأرمن اللذين شكلا مكوناً تاريخياً لمناطق وأراضٍ كثيرة، داخل طيات وعلى تخوم النسيج التركي، ما دفع المنظمة الوليدة إلى التورط في ارتكاب العديد من المذابح المسجلة باسمها.

ضمن سجل «ألب أرسلان توركيش» الوظيفي أنه تولى لسنوات مسئولية ضابط الاتصال مع النازيين فى تركيا، ويعود لتلك الفترة تشرّب الضابط التركي لأفكار التفوق العرقي للقومية التركية، حيث ظل طوال فترة تأسيس الحزب يستشهد في خطاباته بجمل ومقاطع من كتاب «كفاحي» للزعيم الألماني أدولف هتلر.

وعادة مثل تلك النماذج سرعان ما تلتقطها أجهزة الاستخبارات لاستخدامها، وهو ما لم يغب عن أعين الاستخبارات الأمريكية التي نجحت في تجنيده لصالحها، وقت انخراطها في تأسيس «جيش سرى» في تركيا لمناهضة الشيوعية.

وبالفعل كان أول بزوغ لنجم «توركيش» وسبب اعتقاله وآخرين تنظيمه لمظاهرة كبيرة تندد بالشيوعية، لتبدأ وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية في التعامل معه بدءاً من العام 1948، بحسب وثائقها عن تلك الفترة في حربها ضد الاتحاد السوفيتي.

الضابط المتطرف بالجيش التركي

مع أوائل حقبة الخمسينات استقر وضع «توركيش»، الضابط المتطرف بالجيش التركي، وبدأت الاستخبارات الأمريكية تنسج له العلاقات مع وزارة الدفاع «البنتاجون»، وقت تأسيس «حلف الناتو».

ليمضي الأعوام الأولى منها متنقلاً ما بين تركيا والولايات المتحدة، في البعض منها تحت ستار المأموريات الوظيفية وأخرى كزيارات خاصة، وإن ظلت جميعها لها صبغة استخباراتية تمثلت سريعاً في طلب الولايات المتحدة بتعيينه في واشنطن ضمن قوات «حلف الناتو»، ليمضي فيها ثلاث سنوات كاملة من عام 1955 وحتى 1958.

وظلت تلك الفترة، وفق غالبية من كتب وأرّخ للحركة القومية التركية، هي سنوات صقل وتشكيل القيادي التركي المتطرف الذي سيقود فرق العمل الاستخباراتي الأمريكي، بالصفوف الأولى لصد المد الشيوعي عن العرين الأوروبي.

وقد استخدمت الاستخبارات الأمريكية هذا العنصر التركي بعد أن ساهمت في أن يشتد عوده العسكري ونفوذه داخل الجيش التركي، ليعود «توركيش» إلى أراضيها لاحقاً ويقوم بتنفيذ المفاجأة التي لم تمثل دهشة كبيرة رغم بشاعة وفداحة ما جرى فيها.. وعن هذا الأمر نستكمل في الأسبوع المقبل بمشيئة الله.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى