رؤى

تسييس التسامح

التنظيمات الإرهابية دمرت المجتمعات وأحيّت تراث الحروب المقدسة

د. سامي عبد العال
Latest posts by د. سامي عبد العال (see all)

يشكِّل التسامح إطاراً أساسياً للحياة الإنسانية. ورغم ذلك، فقد يَحضر وقد يَغِيْب (أو بالأحرى يُغَيَّب) استناداً إلى جذور العنف وتاريخه.

وفي حال غيابه، يعني أنَّ هناك خلَّلاً بنائياً يعصف بتنوع أنماط العيش وتصوراتنا حول الآخر.

هل يمكن تسييس التسامح؟

السؤال إذن: ماذا وراء تَعثُر خطاب التسامح، وما هي جوانبه الغائبة؟ هل بالإمكان تسييس التسامح إزاء ظواهر العنف؟! هل السياسة تمس شيئاً أصيلاً فيه أم عرضيَّاً؟!

ربما لا تحتاج الإجابة إلى مشقةٍ كبيرةٍ، إذ يكاد يتلاشى التسامح في المجتمعات الأدنى اهتماماً بالإنسان، بل لن يتميز بأيُّ معنى يُذكر. لأنَّ وجودنا الإنساني المتنوع هو الفضاء الرحب للالتقاء معاً human co-existence.

فنحن نتسامح لكوننا أُناساً نستطيع تقديم شيءٍ من وجودنا للآخر. وكل محاولةٍ تخطيء تلك الفكرة ستُسمى بأي عنوان مغايرٍ إلّا أنْ تكوُن تسامُحاً.

فقد تصبح هدنةً أو عقدَ صفقةٍ أو تبادلَ مصالحٍ أو تخطيطاً براجماتياً للمستقبل أو إعادة ترتيب أولويات الصراع، لكن التسامح (في كل أحواله) سيفترض طريقاً مختلفاً عن منطق سلطةٍ ما تُغلِّب فئةً على سواها.

هنا وجه الإشكال: أنَّ الإنسان هو نحن في صورة الآخر باختلاف توجهاته ومعتقداته. وما لم نتطلع إليه على المستوى ذاته، فلن توجد غير الكراهية بمسمياتٍ شتى.

التسامح تحت التهديد

فهل نتسامح عادةً تحت التهديد، أي تحت الضغوط من سلطةٍ ما؟ إننا كمجتمعات شرقيةٍ نحتاج الالتقاء بالإنسان بما هو كذلك من وراء ركام الأحداث والمذاهب والأصوليات المتطرفة التي استباحت وجودنا الحي.

وبخاصة مع تسارع وتيرة العنف الديني وموجاته بفعل تنظيمات الإرهاب (الإخوان والقاعدة وداعش والسلفية الجهادية وبوكوحرام والجماعة الإسلامية المقاتلة وجبهة النصرة…).

التنظيمات التي دمرت المجتمعات وأحيّت تراث الحروب المقدسة وأشعلت الأخيلة الدموية بحثاً عن الثأر التاريخي من أهل الديانات الأخرى!!

الحاصل أنَّ التسامح يصبح ممكناً فقط عبر دائرة الإنسانية التي تجمعنا والآخرين دون تفرقة. وأنَّ الإنسانية يستحيل اختزالها بأي شكلٍّ من الأشكال، وما نحن إلاَّ وجوه ممكنة لتجلياتها المختلفة.

الفرضية الأساسية هكذا: «يغيب التسامح لو اعتمد على صور الثقافة العنيفة (أشكال السلطة والقُوى الغالبة والفئات والكيانات العامة والطوائف والمذاهب والجماعات الدينية…).

إذ يستحيل للتسامح أنْ يكون مشروطاً بالدين أو حالات فردية أو أيديولوجية أو سياسية أو أخلاقية!!.. وإلَّا لأعاد تشغيل حالات التعصب والكراهية مرةً ثانيةً.. فكل تسامح ينبغي أنْ يكون للإنسان كإنسانٍ أو لا يكون من الأساس».

التسامح الفاشل

إنَّ أي مخطط للتسامح والمصالحة قائم على أغراض سياسية يعدُّ تسامحاً فاشلاً، وسيكون نوعاً من القمع وإدارة الصراع بأدوات ناعمة soft tools.

ولعلَّ التاريخ الدلالي للمصطلح tolerance يثبت كونَّه قد ولد في سياقٍ صراعي ترك بصمات ثقافيةً عليه حتى اللحظة. وهو ما أدخله حيز الأنظمة السياسية الديكتاتورية، حين تُعلي من نبرات خطاب ديماجوجي  demagogue discourse للتسامح (الكلام الاستهلاكيConsumer) لتأكيد قوتها المهيمنة على الشعوب.

ولذلك ستكون الثقافات التي يسود فيها العنف السلطوي على محك الاختبار. وسيصطدم خطاب التسامح– عاجلاً أم آجلاً- مع الفجوات التاريخية السائدة في علاقات الديانات والاتجاهات السياسية داخل المجتمع.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى