أخطاء شائعة

تطور قضايا «الحسبة» لـ«ازدراء الأديان»

المحتسبون الجدد يزايدون بالوطنية والدين ويلاحقون من يتحدث بشكل يخالف آراءهم

تطورت القضايا المعروفة بـ«ازدراء الأديان» تاريخيًّا في مصر بداية من مسماها القديم قضايا «الحسبة» إلى النص الحالي المتضمن في المادة 98 من قانون العقوبات المصري، التي استحدثت بعد ما عرف بأحداث الفتنة الطائفية بالزاوية الحمراء، في عام 1981.

وتقدمت حينها الحكومة بمشروع قانون لتعديل عدد من مواد قانون العقوبات، وإضافة مواد أخرى، منها مواد تتعلق بتغليظ العقوبة المنصوص عليها في المادة 160، المتعلقة بالحق في ممارسة الشعائر الدينية بعيدًا عن أعمال العنف، وتعديل المادة 201 الخاصة بتجريم إساءة استخدام خطاب ديني.

وكان الهدف من هذه التعديلات هو معاقبة رجال الدين الذين يسيئون استخدام الخطاب الديني للتحريض على أعمال عنف وتهديد أمن المواطنين، ولكن بعد سنوات تم توسيع نطاق التجريم، ليشمل كل المواطنين بدلًا من رجال الدين فقط.

قضايا الحسبة من جورجي زيدان إلى عبده ماهر

ويعود تاريخ قضايا الحسبة وازدراء الأديان إلى ما قبل القانون، منذ اتهام جورجي زيدان -مؤسس مجلة الهلال- عام 1910 بأنه قبطي يُدرِّس التاريخ الإسلامي، وبعده الأزمة الشهيرة لعميد الأدب العربي طه حسين بسبب كتاب «في الشعر الجاهلي» عام 1926 مرورًا باتهام نجيب محفوظ عام 1959 بالتطاول على الذات الإلهية بسبب رواية «أولاد حارتنا».

وفي عام 1981، اتهمت الكاتبة نوال السعداوي بازدراء الأديان بسبب آرائها حول تحرير المرأة، ووضع اسمها على قوائم الموت للجماعات الإسلامية، وتلقت العديد من التهديدات بالاغتيال، ما يشبه اتهام المفكر نصر حامد أبو زيد عام 1992، عندما رفع مجموعة من المحاميين دعوى قضائية للتفريق بينه وزوجته لأنه ألحد بسبب حديثه عن التحرر من سلطة النصوص. في العام نفسه الذي تم تكفير أبو زيد؛ قُتل المفكر فرج فودة، بعد نشر بيان بتكفيره.

قضايا ازدراء الأديان

ومن أشهر قضايا الازدراء، قضية الداعية إسلام البحيري الذي وجهت إليه تهمة إهانة الإسلام، وأدين وحكم عليه بالسجن خمس سنوات، قبل أن يحصل لاحقًا على عفو رئاسي.

وقبلها في أبريل 2009، ألغت المحكمة رخصة نشر مجلة «إبداع» بعد أن نشرت في عام 2007، قصيدة «على شرفة ليلى مراد» للشاعر حلمي سالم؛ وقالت المحكمة إن القصيدة تضمنت «تعبيرات أهانت الله».

وفقًا للقانون المصري، تتحقق جريمة ازدراء الأديان بوقوع الفعل المُجرم، وتوافر النية بغض النظر عن تحقق الهدف المرجو من هذا الفعل من عدمه.

وتتحقق جريمة ازدراء الأديان بناءً على ركنين؛ الأول ركن مادي، يتمثل في استغلال الأديان السماوية في الترويج باستخدام أي وسيلة من وسائل النشر لأفكار متطرفة تحت ستار مموه أو مضلل من الدين.

أما الركن الثاني، المعنوي: يقصد به توافر القصد الجنائي واتجاه الإرادة إلى ازدراء الأديان السماوية أو تحقيرها أو إثارة الفتن أو الإضرار بالوحدة الوطنية والسلام الاجتماعي، لكي يخرج المنتمون إلى دين معين لكي دخلوا في دين آخر ويعتنقوه، أي أن مناط الحماية القانونية بنص تلك المادة هو الوحدة الوطنية والسلام الاجتماعي وليس الأديان السماوية أو الطوائف المنتمية إليها.

المحتسبون الجدد

وظهر في مصر بعد 2013، ما عرفوا بالمحتسبين الجدد، لما لهم من سمات جديدة إضافية؛ فهم يزايدون بالوطنية، والأخلاق، والدين أيضًا، يلاحقون من يتحدث بشكل يخالف آراءهم، حتى لو كانت مطربة تمزح على أحد المسارح أثناء حفلتها؛ يفسرون الوطنية كما يرغبون، ويلاحقون الناس، حتى من مؤيدي النظام، وفقًا لتفسيراتهم.

وبحسب الشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان. ينتمي أغلب المحامين الذين يلاحقون الناس ويحاصرون حرية التعبير عبر تقديم البلاغات، إلى 3 أنواع.

الأنواع الثلاثة تمثلت حسب دراسة المنظمة الحقوقية في: راغب شهرة، وآخر يرغب في التقرب للسلطة، أو أنه بالفعل مقرب للسلطات التي توعز إليه بتقديم بلاغات لمحاصرة معارضيها، والثالث أشخاص مؤمنون حقًا بما يقومون به، يدافعون عن وجهة نظرهم بالطريقة الخاطئة عبر مصادرة رأي الآخر، والتعامل مع الآخر بوصفه يجر الشرور على المجتمع، ويعتبر نفسه أنه هو وحده الذي يحمل الخير للوطن.

محامون تخصصوا في بلاغات قضايا الحسبة (51 بلاغًا في أقل من عامين)

رصد تقرير حقوقي عن برنامج حرية الرأي والتعبير بمؤسسة ملتقى الحوار للتنمية وحقوق الإنسان تقديم نحو ٢١ بلاغًا في قضايا الحسبة خلال عام ٢٠١٩، ضد بعض الشخصيات العامة في مصر من أدباء وسياسيين وفنانين، كما رصد التقرير نحو ٣٠ بلاغًا لمحتسبين خلال النصف الأول من العام الحالي.

«إضلال الأمة بفقه الأئمة»

نعود إلى قضية أحمد عبده ماهر، حيث قال في تصريحات سابقة، إن تحقيقات النيابة في القضية دارت حول مضمون كتابه «إضلال الأمة بفقه الأئمة» واتهامه بأن العبارات والنصوص الواردة فيه تسيء للدين الإسلامي.

وأبدى «ماهر» اندهاشه من أن النيابة واجهته بنصوص من الكتاب منقولة من كتب الحديث والتراث الإسلامي واعتبرت أن نقله لها يمثل إساءة للإسلام؛ وعقّب ماهر بأن هذه النصوص أوردها على سبيل النقد لا التأييد.

وينقسم كتاب «إضلال الأمة بفقه الأئمة» إلى ثلاثة فصول: (ضلالات فقهية بين فقه القرآن وفقه الضلال) و(ضلالات عن مفاهيم بالسنة النبوية) و(سوء فهم وتفسير القرآن).

وتتضمن الفصول انتقادات حادة لآراء ونصوص تراثية إشكالية متنوعة وردت في كتب الحديث والفقه منها: عدم مسؤولية الزوج عن زوجته المريضة وحكم مضاجعة الموتى وزواج الرجل بابنته وطلاق الزوجة الأكولة وجواز نكاح الصغيرة في المهد وغيرهم. وطالب المؤلف بنبذ هذه الأفكار والأحكام، ويوجه انتقادات حادة للأزهر والإفتاء ويتهمهم بالتساهل مع هذه المرويات والآراء.

وأشار المستشار «ماهر» إلى أن النيابة في تحقيقاتها طلبت رأي مجمع البحوث الإسلامية بالأزهر في الكتاب المذكور. وأضاف أن المجمع قدم رأيه للنيابة مؤيدًا اتهاماتها بكون الكتاب يتضمن ازدراءً للدين الإسلامي، وهو ما يعترض عليه «ماهر» ويقول إنه في خصومة مع مؤسسة الأزهر وأنه تقدم بنفسه بدعاوى ضد الأزهر يتهمه بعدم القيام بمسؤولياته في تجديد الخطاب الديني، وأن كتاب «إضلال الأمة بفقه الأئمة» هو أحد الدفوع التي يقدمها في مقاضاته للأزهر، فلا يجوز في رأيه استعانة النيابة برأي الأزهر في كتاب ناقد للأزهر لأنه لا يجوز سؤال الخصم عن خصمه.

استغاثة إلى رئيس الجمهورية

وكان أحمد عبده ماهر نشر على صفحته الرسمية على الفيسبوك، نداء واستغاثة إلى رئيس الجمهورية. قال فيه إنه كان عسكريًا خدم وطنه وخرج من الخدمة العسكرية لعدم اللياقة الطبية وهو في رتبة عميد وأنه حاليًا عضو «جمعية المحاربين القدماء وضحايا الحرب»، ويبلغ من العمر 77 عامًا.

واستنكر أنه الآن يحاكم وفق قانون الطوارئ بتهمة ازدراء الإسلام بسبب تأليف كتاب تناول فيه بعض الآراء في الفقه الإسلامي الذي ينادي رئيس الجمهورية بتطويره وتجديده، وأضاف «ونحن نتعاون مع سيادتكم في ذلك الإصلاح»، بحسب نص البيان.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى