أخطاء شائعة

جذور التطرف الديني

التنوير لا يمكن أن يتحقق إلا من خلال سيادة منهج التأويل

ظاهرة «التطرف الديني» تكمن كلها فى الوعي، خاصة الوعي الديني، الذي هو مرتبط ارتباطًا وثيقًا بغيره من أشكال الوعي.

غياب الوعي الديني هو أصل الإرهاب ومصدره، وهذا الغياب يعني ببساطة أن الخطاب الديني السائد في عالمنا العربي غير قادر- حتى الآن- على تثوير أو حتى مجرد تنوير هذا الوعي.

وهذا التنوير لا يمكن أن يتحقق إلا من خلال سيادة منهج التأويل الذي يؤمن بتعدد التفسيرات واختلافها، وبأن التفسير ينبغي أن يهدف دائمًا إلى فهم معاني النصوص، لا ظاهرها.

سمات التطرف الديني

السمة الأساسية للشخص المتطرف دينيًّا، الذي يصل تطرفه أحيانًا إلى حد ممارسة الإرهاب، هي أنه شخص لا يؤمن بضرورة التأويل، ومن ثم بإمكانية تعدد التفسيرات، ويركن إلى آراء متطرفة لبعض الفقهاء، تقوم على التكفير الذي يبلغ حد الدعوة إلى القتل.

وعلى رأس هذا التيار الفقهي المتغلغل في الخطاب الديني فقه ابن تيمية الذي هو أصل هذا التيار، الذي التزمت به الحركة الوهابية على يد محمد بن عبد الوهاب. وقد تأسس على ذلك سائر فقه الجماعات الدينية المتطرفة.

فرغم ما بين هذه الجماعات من اختلافات، إلا أنها تشترك جميعها أيضًا في اعتماد فكر ابن تيمية- ومن والاه- مرجعًا؛ وهو فكر يرفض العقل والتأويل، ويقوم على مبدأ السمع والطاعة الذي يحكم سلوك أفراد هذه الجماعات في تنفيذ تعاليم أمرائهم وشيوخهم.

ويكفي هنا أن نتذكر حادثة الاعتداء الإرهابي على نجيب محفوظ، بغرض قتله، فالإرهابي مرتكب هذه الحادثة- كما كشفت التحقيقات- لم يكن يعرف شيئًا سوى الفتوى التي تلقاها بوجوب قتل نجيب محفوظ بعد نشر رواية «أولاد حارتنا»، وهو حتى لا يعرف شيئًا عن نجيب محفوظ، وبالتالي لم يقرأ الرواية ذاتها.

مرجع الجماعات الإرهابية

والحقيقة أننا لا نتجنى هنا على فكر ابن تيمية حينما نراه مرجعًا لفكر الجماعات الأصولية الإرهابية، إن جاز أن نسمي ذلك فكرًا؛ لأن فقهه حافل بالفتاوى التكفيرية التي تصل إلى حد الفتوى بالقتل، وهي من الكثرة والشيوع على نحو لا يمكن إنكاره، ومنها على سبيل المثال:

«إن الرجل البالغ إذا امتنع عن صلاة واحدة من الصلوات، أو ترك بعض فرائضها، يستتاب، وإلا قُتِل».

«ومن أخَّر الصلاة لصناعة أو صيد أو خدمة أستاذ أو غير ذلك، وجبت عقوبته، بل يجب قتله عند جمهور العلماء بعد أن يُستتَاب».

فتاوى التكفير تمتد إلى المعتقدات والإيمان والسلوك

غير أن فتاوى التكفير والقتل عند ابن تيمية لا تقتصر على مجال العبادات، وإنما تمتد إلى مجال المعتقدات والإيمان والسلوك. ومن ذلك- على سبيل المثال- قوله:

«وجدت ما يُعلَم بصريح العقل لم يخالفه سمع قط، ولا يُعلَم حديث واحد يخالف العقل أو السمع». إذن طاعة العقل للسمع لازمة، ومن ثم يتأسس المجتمع على السمع والطاعة. والمجتمع الذي يتأسس على هذا النحو اسمه مجتمع القطيع».

وهكذا يريد ابن تيمية أن يكون المسلمون مجتمعًا من القطيع الذي لا يُعمِل عقله، ويلتزم السمع والطاعة، فلا يُبدِي رأيًا فيما يسمعه أو تأويلًا لمعناه. وبذلك يتم تغليب النقل على العقل، فيسود الرأي الواحد الذي يُفتي به فقهاء القتل، ويتم تكفير كل من يخالف الفكر الذي يوجه فتاواهم، وهو الفكر الذي يعتمد العنف، بل القتل، وسيلة وحيدة للإصلاح.

ومن هنا ذهب ابن تيمية إلى القول بأنه: «من رأى منكم منكرًا، فليغيره بيده، فإذا لم يمكن تغييره إلا بالقتل، فعليه قتله حتى يزيله»!، بل إن من هذه الفتاوى ما يمتد إلى التكفير، ومن ثم القتل، على أساس من الظن والتفتيش في النوايا أو على ما يضمره المرء في باطنه. وفي ذلك يقول ابن تيمية:

«وأما قتل من أظهر الإسلام وأبطن كفرًا منه، وهو المنافق الذي تسميه الفقهاء الزنديق، فأكثر الفقهاء على أنه يُقتَل أو يُتَاب».

أين تكمن جذور الإرهاب؟

فى هذا وكثير غيره من الشواهد والحقائق التي لا تحصى، ما يحملنا على القول بأن جذور الإرهاب تكمن في ذلك النوع من التفكير الذي يكون على الضد من الفكر ذاته: إنه يناهض الفكر، ويرفض العقل، ومن ثم يرفض التأويل، ويتصور أنه «يمتلك الحقيقة المطلقة» (على حد تعبير الدكتور مراد وهبة)؛ ولذلك فإنه يلجأ إلى معاداة الآخر وتكفيره بما هو «آخر»، أعني تكفير كل مخالف لمعتقداته وتصوراته الدينية، باعتباره منتميًا لفسطاط الكفر.

غياب الوعي الديني إذن هو جذر الإرهاب الذي ينبغي استئصاله، وهو لا يمكن استئصاله إلا من خلال استئصال الفكر الذي يغذيه. ومن ثم، فإن المواجهات الأمنية بهدف محاصرة الجماعات التي تتبنى هذا الفكر، هي مواجهات ضرورية، ولكنها لا يمكن أن تكون ناجعة وحدها في مقاومة هذا الفكر السرطاني.

ولا يمكن أيضًا مواجهة هذا الفكر بحرق أو حظر الكتب التي يوجد فيها؛ لأننا بذلك نرتد إلى إطار الحل الأمني القمعي. فالفكر الأصولي المتطرف لا يمكن مواجهته إلا بفكر مضاد يسعى إلى دحضه، من خلال إشاعة الفكر العقلاني، وحرية الرأي والتفكير والاعتقاد، جنبًا إلى جنب مع تنمية ثقافية شاملة.

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى