رؤى

حرية العقيدة في «وثيقة الدخول في الإسلام»

المفكر العربي علي الشرفاء يريد للمسلم أن يؤمن بعقله ووجدانه وسلوكه

د. حسن حماد

صدر عن مؤسسة «رسالة السلام» للأبحاث والتنوير، «وثيقة الدخول في الإٍسلام»، كتاب جديد يستكمل به الأستاذ علي الشرفاء الحمادي مشروعه الفكري التنويري الطموح الذي يستهدف تحرير الإسلام من كافة الأباطيل والأكاذيب التي استقرت في وجدان المسلمين وأصبحت –للأسف– جزءاً من عقيدتهم الحالية.
ويؤكد كتاب «وثيقة الدخول في الإسلام» أن اعتناق الإسلام من خلال نطق الشهادة نوع من التفكير الساذج أو التفكير الطفولي الذي هو أقرب إلى التفكير السحري– البدائي الذي يجعل للكلمة قوة الفعل، فالكلمة لدى العقلية البدائية مساوية للفعل، فمجرد نطق الكلمة يحقق الفعل ويجسده. ومن هنا آمن الناس بالرقى والتعاويذ وسلطة الكلمات.

علي الشرفاء يريد للمسلم أن يؤمن بعقله ووجدانه وفعله أو سلوكه، ولذلك هو يرى أن الشهادة وحدها لا تكفي ولا بد لمن يريد اعتناق الإسلام أن يعرف ما هو الإسلام، وما هي الأسس التي يقوم عليها هذا الدين العظيم، ولهذا يؤكد «الشرفاء» هنا –مثلما أكد من قبل في كتاباته السابقة– أن الإسلام هو دين يدعو للرحمة والعدل والإحسان وحرية الاعتقاد، وللسلام بين جميع البشر، ويُحرم على الناس الظلم والبغي والعدوان وقتل الإنسان وسفك الدماء.

ومن أهم المبادئ التي تؤكد عليها الوثيقة مبدأ «حرية الاعتقاد» وتبرئة الإسلام من تهمة أنه دين يُجبر العباد على الإيمان به.

فالإسلام عند علي الشرفاء ديانة حرية مصداقاً لقوله تعالى: {وَقُلِ الحَقُّ مِن رَبِّكُم فَمَن شاءَ فَليُؤمِن وَمَن شاءَ فَليَكفُر} (الكهف: 29)

إنَّ الإسلام دعوة الله للناس بأن يتّبعوا كتابَه فقط، ويطيعوا شرعتَه ومنهاجَه ليحصّنهم بآياتِه من أصحاب الضلال أتباع الشيطان كما خاطبَ الله سبحانه خلقه على لسان رسوله عليه السلام بقوله: {فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ إِنَّكَ عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ (43) وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ (44)} (الزّخرف: 43-44)

فالقرآن هو الذي يجعل من استمسك به وأطاع اللهَ ورسولَه فيما أنزله الله عليه من الكتاب في مأمنٍ يوم القيامة سيجزيه اللهُ يوم الحسابِ جنّات النعيم.

وينهى الله سبحانَه في تشريعه عنْ إرغام الناس في الدخول في دين الإسلام وتَرك لهم الحرية المطلقة في اختيار عقيدتهم ومذاهبهم وأديانهم دون إكراهٍ،ولم يفرض على الناس أداء الشعائر الإسلامية بالقوة في الصلوات والزكاة والصوم والحج.

وترك الله للناس الحرية المطلقة في تأدية شعائر العبادات وهو حق خالص من حقوق الإنسان لا رقيب عليه غيرَ الله وحده يقضي ما يشاء على عباده.

ويؤكد الله على ذلك الحق مخاطباً رسوله عليه السلام بقوله سبحانه: { لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَن يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللَّـهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىٰ لَا انفِصَامَ لَهَا وَاللَّـهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} (البقرة: 256).

وقوله سبحانه مخاطباً رسوله عليه السلام: {وَلَو شاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَن فِي الأَرضِ كُلُّهُم جَميعًا أَفَأَنتَ تُكرِهُ النّاسَ حَتّى يَكونوا مُؤمِنينَ} (يونس: 99)

ويقول الله أيضاً في كتابه الكريم: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ} (البقرة: 208)

وقال الله سبحانه مخاطباً رسوله عليه السلام: {وَإِن جَنَحوا لِلسَّلمِ فَاجنَح لَها وَتَوَكَّل عَلَى اللَّـهِ إِنَّهُ هُوَ السَّميعُ العَليمُ} (الأنَفال: 61)

وحتى أثناء الحروب واشتداد حدتها إذا طلبَ الطّرف المعتدي عند الهزيمة وجنحوا للسلام فاقبلوا منهم السلام لوقف الحرب لتقليل الكره في الأنفس ووقف سفك الدماء ووضْع الأسُس والشروط العادلة لتحقيق الأمن والاستقرار بين الأَطراف المتقاتلة والمصالحة في ظلّ السلام، ومن رحمة الله للناس وحثّهم على الإحسان حتى مع المختلفين مع المسلمين في الدين، قوله سبحانه مخاطبًا رسوله الكريم: {وَإِن أَحَدٌ مِنَ المُشرِكينَ استَجارَكَ فَأَجِرهُ حَتّى يَسمَعَ كَلامَ اللَّـهِ ثُمَّ أَبلِغهُ مَأمَنَهُ ذلِكَ بِأَنَّهُم قَومٌ لا يَعلَمونَ} (التوبة: 6)

فهل بعد ذلك رحمة ورأفة بالإنسان من هذا التشريع العظيم وقِيَمهِ النبيلة لاحترام حقّ الإنسان في الحياة؟
وبما أنَّ الله سبحانه لم يأمر المسلمين بقتال المشركين أو الكفار للدخول في دين الإسلام، انمّا أَمر رسوله عليه السلام بدعوة الناس بالحكمة والموعظة الحسنة، كما خاطب اللهُ رسولَه بقوله سبحانه: {ادعُ إِلى سَبيلِ رَبِّكَ بِالحِكمَةِ وَالمَوعِظَةِ الحَسَنَةِ وَجادِلهُم بِالَّتي هِيَ أَحسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبيلِهِ وَهُوَ أَعلَمُ بِالمُهتَدينَ} (النحل: 125)

لذلك لم يأمر الله رسوله بفرض الإسلام على غير المسلمين، ولم يأمره بغزو الدول غير الإسلامية ليرغم الناس على الدخول في الإسلام، وما جرى في الماضي من غزوات في أوروبا والوطن العربي إنما هو عدوان على شرع الله ومنهاجه في حقّ الحرية للناس أجمعين، في اختيار عقائدهم ولابد من تصحيح مفهوم الجهاد ليتّفقَ مع كتاب الله وآياته وشريعته الذي يؤكد للناس سبحانه بكل وضوح تحريم العدوان في قوله: {وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّـهَ إِنَّ اللَّـهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ} (المائدة: 2)

فكلمة الجهاد تمّ توظيفها على غير مُراد الله في آياته، وتمّ تضليل الناس بوعودٍ وهمّية مخادعةٍ بمن يقتل فهو شهيد في سبيل الله وسيجازيهم الله جنّات النعيم والعشرات من حُور العِين ليجعلوا الشباب يرمون أنفسهم في حروب الباطل ويسقطون قتلى ظلماً وعدواناً، مخالفين شرع الله ورسالة السلام والحرية للناس أجمعين، حين تمّ التغرير بهم والسقوط في دمائهم بدون قضية وبدون ثمنٍ يضاف عليهم عقاب الله وعذاب عظيم يوم الحساب، خسروا الدنيا والآخرة ذلك ما جنته عقولهم بهجرهم آيات القرآن واتباعهم روايات الشيطان.

لقد كَفَل اللهُ للإنسان حرية الاختيار للعقيدة التي يؤمن بها وقد وجّه الله رسوله الكريمَ بحق الإنسان في حريّة الاعتقاد.

فالجهاد الحقيقي هو حكمة الله فيما تواجهه النفس الإنسانية من صراع بين الحقّ والباطل، بين دعوة الله للناس في قرآنه العظيم لحمايتهم مِن الأذى والأخطار والصّراع والتقاتل في الحياة الدنيا ليحصنّهم من العقاب والعذاب في الآخرة عند الحساب، وبين دعوة الشيطان للنفس لارتكاب الذنوب والآثام، ذلك الصراع هو الجهاد الذي قصدته آيات القرآن لمنفعة الإنسان ليستظلّ يوم القيامة بكتاب الله من شدة حرارة النار وأهوالها ويتحقق للنفس انتصارها على الشيطان، وليس الجهاد قتال الناس ظلماً وعدواناً ليكرهوهم على الدخول في دين الإسلام.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى