رؤى

حلول مشكلات الاقتصاد العربي تبدأ من تصويب الخطاب الإسلامي

القرآن وحده الثابت وما سواه متحول يخضع للنقاش والنقد والتصحيح

كامل حسن الدليمي

الجزء الثاني من ومضات المفكر (علي محمد الشرفاء) يضم حزمة من المقترحات التي يعرضها كحلول علمية لمشكلات الاقتصاد العربي، تبدأ من تصويب الخطاب الإسلامي، ولا تنتهي إلا بإيجاد نظام عربي مشترك.

استنهاض العقل للبحث في كتاب الله

يقول المفكر علي محمد الشرفاء الحمادي في صحيفة الأهرام في صفحة قضايا وآراء ما نصه: (لقد أيقظ الرئيس عبدالفتاح السيسي بدعوته التاريخية تصويب الخطاب الديني تحفيز الفكر واستنهاض العقل للبحث والتمحيص في كتاب الله الكريم عن أسباب ما جرى وما يجرى على الساحة العالمية، والساحة العربية باسم الإسلام، وقد تفاعلت بكل الإيمان بالله بصرختك التي تضمنت في عمقها تمردًا يعتمل في النفس، ويرفض ما يشوه صورة الإسلام، والإساءة إلى نبي الرحمة، وتبحث عن الأسباب التي خلقت حالة العدوان على الإنسان، والتي دفعت بآلاف الشباب إلى السقوط في منظمات القتل والإرهاب، وبما أن لكل شيء سببًا، ولكل عمل نتيجة، فلا بد من البحث عن حقيقة الأسباب التي أدت لتلك الكارثة).

وهي إشارة واضحة إلى انحراف الإلهي إلى الفقهي، الأمر الذي قدم رأي المخلوق على الخالق، وتلك الإشكالية التي انطلق منها الحمادي في إرساء دعائم رأيه في موضوع التفريق بين (الدين الإلهي، والدين الفقهي أو ما جادت به قرائح الفقهاء)، وهنا مكمن الخطورة على الإسلام.

تأويلات الفقهاء

كما يواصل المفكر تتبعه لمواضع الانحراف عن القرآن الكريم لتأويلات الفقهاء، إذ يقول: لقد أرسل الله رسالته للناس تضمنها الخطاب الإلهي القرآن الكريم، وبدأ خطابه جل وعلا بقوله: «اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ(1) خَلَقَ الْإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ(2) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (3) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (4) عَلَّمَ الْإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ(5)» (العلق 1- 5).

دعوة للتفكير

بهذه الآيات يخاطب الله –سبحانه- العقل، ويدعو الناس للتفكير، ويحاورهم بالمنطق؛ ليتحقق للعقل سلامة الفكرة للاقتناع بها، وعندئذ يترسخ الإيمان بها في قلب الإنسان، يحميها عقله من أي ذبذبات سلبية، ومقولات دينية أو روايات مزورة تسعى لتشويه ما آمن به وأدركه عقله من حقائق إيمانية بالآيات القرآنية، التي تقدم للناس دعوة التفكر، واستعراض مجموعة من الحقائق الكونية، إن هي إلا تحفيز للعقل واستثارته؛ ليتفاعل مع الآيات القرآنية والحقائق الكونية؛ ليتحقق للإنسان إدراك يقيني بأن الله وحده لا شريك له، هو خالق السماوات والأرض، وأن نتفاعل مع الخطاب الإلهي الذي أرسله الله للناس كافة كما قال تعالى: «وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِّلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَـكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ» (سبأ: 28).

ويقول تعالى: «قُل يا أَيُّهَا النّاسُ إِنّي رَسولُ اللَّـهِ إِلَيكُم جَميعًا الَّذي لَهُ مُلكُ السَّماواتِ وَالأَرضِ لا إِلـهَ إِلّا هُوَ يُحيي وَيُميتُ فَآمِنوا بِاللَّـهِ وَرَسولِهِ النَّبِيِّ الأُمِّيِّ الَّذي يُؤمِنُ بِاللَّـهِ وَكَلِماتِهِ وَاتَّبِعوهُ لَعَلَّكُم تَهتَدونَ» (الأعراف: 158).

وقوله تعالى: «قُل يا أَيُّهَا النّاسُ قَد جاءَكُمُ الحَقُّ مِن رَبِّكُم فَمَنِ اهتَدى فَإِنَّما يَهتَدي لِنَفسِهِ وَمَن ضَلَّ فَإِنَّما يَضِلُّ عَلَيها وَما أَنا عَلَيكُم بِوَكيلٍ» (يونس: 108).

الله أرسل رسوله للناس كافة

تؤكد الآيات المذكورة أن الله أرسل رسوله محمدًا -صلى الله عليه وسلم- للناس كافة، ولم يرسله الله لطائفة أو طبقة مميزة من الناس، حيث الناس كلهم عند الله سواء، وكل يحاسب بعمله، وكل يجازي به، وذلك يؤكد ما يلي:

أولًا: إن الخطاب الإلهي القرآن الكريم موجه للناس كافة دون تمييز لدين أو عقيدة أو طائفة أو طبقة أو مذهب أو فرقة.

ثانيًا: إن الرسالة الإسلامية التي تضمنها القرآن الكريم تخاطب الناس جميعًا بالتفاعل الفكري مع آيات الله في كتابه الكريم؛ لتمكنهم من استنباط التشريعات اللازمة لتنظيم أمورهم الدنيوية، واتباع قيم الإسلام الراقية في السلوك، والتعامل مع كل البشر، تنفيذًا لقوله تعالى: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّـهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّـهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ» (الحجرات: 13).

لا كهنوت في الإسلام

ثالثًا: تؤكد هذه الآية سقوط كل الامتيازات الاجتماعية باسم الدين، وعدم وجود طبقة دينية مميزة تماثل طبقة الكهنة عند بعض العقائد، والتي تحكم باسم الدين، وتوجه المجتمعات الإنسانية حسب أهدافها السياسية والمادية والعاطفية والمعنوية، وكل الناس متساوين أمام القانون في الحياة الدنيا، ويتساوى البشر جميعهم أمام الله يوم الحساب وكل بعمله.

وقد استطاع بعض من تصدى للدعوة الإسلامية، ومعهم ما يسمون برواة الحديث، إغراق العقول بروايات تستنزف طاقة المسلمين في صراع سياسي ومذهبي، خلق حواجز نفسية داخل المجتمع الواحد، وأدى إلى انتشار خطاب الكراهية، مما يهدد السلم الاجتماعي، وتحجر على عقولهم التفكير والتسليم الكامل للروايات التي ساهمت في تخلف المسلمين عن ركب الحضارة الإنسانية والعلمية، وأغرقت الأساطير عقول المسلمين، وآمنوا بها دون تفكير أو تمحيص حتى وصلت إلى درجة القداسة، وتعالت عند بعض شيوخ الدين على آيات القرآن الكريم، عندما طغت الروايات على الآيات.

روايات كاذبة حاقدة على دين الإسلام

إنّ الأمةَ الإسلاميةَ تواجه محنةً شديدةَ الخطورةِ، حيثُ استطاعَ الأشرار أن يدسّوا روايات كاذبةً حاقدةً على دينِ الإسلامِ، تَنزعُ مِنه العدلَ والرحمةَ والسلامَ والمحبةَ والتعاونَ؛ لِتَحُل بدلاً من تلكَ الَقيمِ الانسانيةِ النبيلةِ الكراهيةُ والتعصبُ والقسوةُ والقتلُ والاعتداءُ الصارخُ على الأبرياءِ، والإساءةُ إلى كتابِ اللهِ الكريمِ، والإساءةُ إلى رسولهِ صلوات ربي عليه، وتحولّت إلى مناهج تعليمية في كُتب مجهولة المرجعِ، تُدّرس في الجامعات الإسلاميةِ حتى اليوم، وتُخرّج للعالمِ الاسلاميِ مُجرمينَ وقَتَلةً وإرهابيين أمثالَ: (داعش، وجبهةِ النصرةِ، والقاعدةِ، والسلفية الجهاديــة، والتكفير، والهجرة، والإخوان المسلمين، وغيرهم والبقية تأتي).

أولئك الذين شوّهوا بسوء قصد صورة الإسلامِ في العالمِ، وما تحملهُ من مبادئ الرحمةِ والعدلِ للإنسانيةِ جَمعاء، متجاهلين كذلك وعن عمد واضح كل ما جاء في كتاب الله تعالى من توجيهات واضحة باتباع المنهج الإلهي وحده دون غيره، لكي يتحقق تصويب الخطاب الديني.

الله تعالى يخاطب العقل الإنساني

وبما أن الله -سبحانه وتعالى- يخاطب العقل الإنساني ولا يخاطب طبقة علماء الدين أو الكهنة أو الأئمة، الذين نصبوا أنفسهم أوصياء على الدين، واختزلوا معرفة مراد الله من آياته، يتطلب الأمر دعوة المفكرين والعلماء في مختلف التخصصات التي ذكرت في القرآن الكريم؛ لاستنباط فقه جديد، وتشريع يتفق مع القرآن الكريم، في الحرية والعدل والمساواة والرحمة والتعاون بين كل الناس في كل المجتمعات الإنسانية، ويسعى لتصحيح مفاهيم الإسلام العظيمة، التي استطاع الطغاة والجهلة واليهود والمجوس طمس تعاليم الإسلام، وتشويه صورته، خاصة بعد ظهور فرق الإرهاب الجديدة، أمثــال: داعش، والإخوان، وغيـرهم، الذين استباحوا حق الحياة للأبــرياء حتى أصبح شعار (الله اكبر) يختفي وراءه انتحاري، يتفجر في المسالمين من المواطنين؛ لتنتشر دماؤهم، وتمزق أجسادهم ظلمًا وعدوانًا.

تصحيح مسار الدعوة إلى الله

إنها أمانة في أعناقنا أمام الله؛ لتصحيح المسار الذي حاد عن رسالة السماء منذ أربعة عشر قرنًا؛ حتى تستطيع رسالة الإسلام وما تضمنته من تشريعات أساسها العدل والرحمة والسلام والمساواة بين جميع البشر، إضافة إلى ما تدعو إليه بالتمسك بالقيم السامية، والأخلاق الراقية؛ لتكـــون قاطرة الحضارة الإنسانية، وإنقاذها من دعاة الشر، ومن جشع المال، ومن استعباد البشر، ومن أطماع اللصوص الذين استباحوا كل المحرمات، وداسوا على كل الشرائع السماوية، فأصبحوا وحوشًا كاسرة، فقدوا البصيرة، ومات لديهم الضمير، مما يشكلون خطورة على مستقبل الحضارة الإنسانية.

ويكون البحث في مرجعية إلهية واحدة، وهي القرآن الكريم، حيث قال الله -سبحانه وتعالى- «وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ» (الأنعام: 38).

القرآن الكريم المصدر الوحيد لاستنباط التشريع

تؤكد هذه الآية أن القرآن الكريم وضع مبادئ العدالة والسلام لكل عباده؛ ليكون المصدر الوحيد لاستنباط التشريع في كل عصر؛ وليكون صالحًا لكل زمان ومكان.

إن أقصرَ الطرقِ من أجلِ تحصينِ أمتّنا العربيةَ والإسلاميةِ، وسدِّ كل الذرائعِ التي تمَّ توظيفُها علىَ مدىَ قرون عِدّة؛ لتفريقِ المسلمينَ شيّعَا وأحزابًا ومذاهبَ شتّى، هو العودةُ لكتابِ اللهِ الذي أنزله هدى ورحمةً وتعاونًا وعدلًا وسلامًا للناس أجمعين، عسىَ اللهُ أن يرحمَنا ويهدينا سبيلَ الحقِّ والرشادِ.

شكّل هذا البحث منطلقًا لحجاج المفكر في القرآن عن الحجاج بأي شيء آخر، فالقرآن وحده الثابت وما سواه متحول يخضع للنقاش والنقد والتصويب، وإذا كان من سبيل لهذا التصويب أو الإصلاح، فليس سوى (القرآن الكريم).

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى