رؤى

حين أكلت النار من أشعلها

مجدي طنطاوي

في اللحظات الفارقة من تاريخ الشعوب لا يكون الخطر الحقيقي في قوة العدو بقدر ما يكون في ضعف الوعي وانقسام الصفوف، فالأمم لا تسقط فجأة وإنما تتآكل من داخلها حين تقدم خلافاتها الصغيرة على مصيرها الكبير.

واليوم يقف العالم العربي أمام لحظة شبيهة بما حدث قبل قرون طويلة حين تجاهلت قوى كبرى في العالم الإسلامي آنذاك الخطر القادم من الشرق ظنا منها أن النار ستأكل غيرها ولن تصل إليها.

في مطلع القرن السابع الهجري ظهر المغول قوة عسكرية هائلة بقيادة جنكيز خان ثم امتدت جيوشهم كالسيل الجارف تجتاح البلاد وتدمر المدن وتسحق الدول بلا رحمة، وكانت أولى الضحايا الكبرى في العالم الإسلامي هي الدولة الخوارزمية التي كانت تمتد في مناطق واسعة من آسيا الوسطى وإيران، هذه الدولة الإسلامية القوية دخلت في صدام مباشر مع المغول فاجتاحها الجيش المغولي بوحشية غير مسبوقة دمرت المدن، أحرقت الحواضر وأبيدت أعداد هائلة من السكان، كان ذلك الزلزال التاريخي يحدث بينما العالم الإسلامي ممزق بين صراعات السلطة والنفوذ وكانت الدولة العباسية في بغداد تعيش حالة من الضعف السياسي رغم بقاء هيبة الخلافة اسما.

وبينما كانت الدولة الخوارزمية تسقط تحت سيوف المغول لم يتشكل موقف إسلامي موحد لرد الخطر القادم، بل ظن كثيرون أن سقوط تلك الدولة قد يخفف عنهم صراعاتهم السياسية أو يزيح منافسا قويا من الساحة.

لكن التاريخ لا يرحم من يسيء قراءة اللحظة، فبعد أن انتهى المغول من تدمير الدولة الخوارزمية التفتوا غربا ولم تعد أمامهم قوة حقيقية توقف تقدمهم تقدموا مدينة بعد مدينة ودولة بعد دولة حتى وصلت جحافلهم إلى قلب العالم الإسلامي.

وهنا بدأت المأساة الكبرى؛ في عام 1258 قاد القائد المغولي هولاكو خان، جيشا ضخما نحو بغداد عاصمة الخلافة ومركز الحضارة الإسلامية آنذاك.

كان ذلك الحدث الذي سجله التاريخ باسم سقوط بغداد 1258، حوصرت المدينة، انهارت الدفاعات، دخل المغول بغداد ووقعت واحدة من أعظم الكوارث في تاريخ المنطقة، قتلت أعداد هائلة من السكان، أحرقت المكتبات، وألقيت كتب بيت الحكمة في نهر دجلة حتى قيل إن مياهه اسودت من حبر الكتب، وسقطت الخلافة العباسية التي استمرت أكثر من خمسة قرون. وهكذا تحولت النار التي ظن البعض أنها ستأكل خصومهم فقط إلى حريق التهم الجميع.

إن هذا المشهد التاريخي ليس مجرد حكاية من الماضي، بل رسالة قاسية للأمم التي تنشغل بصراعاتها الصغيرة بينما الخطر الأكبر يقترب منها، فالتاريخ يعلمنا قاعدة لا تتغير، حين تنقسم الأمة يسهل ابتلاعها، وحين تتصارع القوى المتقاربة يربح العدو البعيد، ولهذا فإن اللحظة الراهنة في العالم العربي ليست مجرد خلافات سياسية عابرة، بل اختبار حقيقي للوعي التاريخي، إما أن تقدم الدول مصلحتها المشتركة على نزاعاتها الضيقة، وإما أن يعيد التاريخ نفسه بصور مختلفة، فالأمم التي لا تتعلم من سقوط بغداد، قد تستيقظ يوما لتجد بغداد أخرى تسقط من جديد ولكن بأسماء مختلفة وحدود مختلفة، والتاريخ كما نعلم لا يكرر نفسه حرفيا، لكنه يعاقب الأخطاء نفسها دائما بنفس القسوة.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى