رؤى

خيارات الدولة الدينية والدولة المدنية

الحل لمشاكل مجتمعاتنا يكمن في اتباع التنوير وليس في العودة للماضي

تنقسم التنظيمات الإسلامية، داخلياً، لأربع مجموعات رئيسية: «الإخوان المسلمين»، وهدف هؤلاء كسب المزيد من القوة، سياسياً ومادياً، والوصول في النهاية للحكم، وبينت تجربة مرسي أنه ليس للإخوان تصور واضح عن الطريقة التي سيحكمون بها، ولم يسبق أن بينوها غير إصدار كلام عائم بأنهم سيحكمون بشرع الله، ولم يصدر عنهم قط ما يشبه المنافيستو، الذي يبين بدقة فلسفتهم في الحكم، ربما لغيابها أصلاً، وكل ما يرددونه، منذ 90 عاماً، هو شعار «الإسلام هو الحل»، والمطالبة بـ«عودة دولة الخلافة»، بقيادة المرشد، طبعاً!

وللإخوان امتدادات خارجية معروفة، وولاء سري للقيادة الإخوانية. لكن ما يقلل من خطرهم قلة رجال الدولة والمحنكين بينهم، كما أن تكالبهم على جمع الأموال أضعفهم سياسياً، لكن أبقاهم على الساحة.

كما أن هناك جماعة السلف، الذين يشبهون الإخوان في أمور كثيرة، لكن الصراع بينهم على من يحظى بالمناصب والثروات أكثر من غيره، وعلى جمع التبرعات، وهؤلاء يبدون في الظاهر أقل خطراً، سياسياً، من الإخوان، فليس لديهم تنظيم دولي، ولا يطالبون، علناً، بالوصول للحكم، كما أن الفاسدين بينهم قلة، مقارنة بالإخوان، ولا يتخفون مثلهم، أو ينكرون انتماءهم المذهبي، فمظهرهم الخارجي يشي بهم غالباً، ويشيعون أنهم أول من طاع وآخر من عصى، وليس لديهم نظام بيعة مشابه للإخوان.

أما المجموعة الدينية الثالثة فإنها تضم متدينين مستقلين، من شيعة وسنة، ويتحرك هؤلاء حسب أهوائهم، ومصالحهم، وأغلبهم لا فكر لديهم ولا وضوح في الرؤية، بل يتكسبون من الدين لمصالحهم الخاصة.

أما المجموعة الرابعة فإنهم ينحصرون، سياسياً، في جماعتي «الثقافية الاجتماعية» و«العدالة والسلام»، الشيعيتين، إضافة لمجموعات دينية لا منتمية سياسياً، حسب الظاهر، وهؤلاء، تاريخياً، يدينون بالولاء للنظام، ولأسباب معروفة، وقد تكون للبعض منهم امتدادات سياسية أو دينية، خارجية.

يعتبر تجديد الخطاب الديني من الأولويات عند بعض النخب، فلا إصلاح سياسياً بغير إصلاح ديني، لكنها تعلم أن الأمر ليس بتلك السهولة، فمجتمعاتنا متخلفة في كل شيء، وننتمي لدول غير منتجة وغير متقدمة، وفي وضع حضاري مؤسف، تتحكم في الكثير من مفاصله، منذ عقود، تيارات أصولية، تعتقد أن سبب تخلفنا لا يعود لافتقادنا علوم العصر، بل لافتقادنا علوم الماضي، وبعدنا عن الممارسة الدينية، وأنه علينا الالتزام «الكامل» بالشريعة، كما كان على صورته الأولى، لنعيد للإسلام عصره الذهبي.

لذا نجد أتباع الأحزاب الدينية يتوقون للأيام الخوالي، وينعكس ذلك في أسماء آبائهم، لكن مشكلتهم أنهم، في الغالب، لا يعرفون حقيقة مجتمعاتنا وأن الحل لمشاكلها يكمن في اتباع التنوير وليس في العودة للماضي. فبغير الاستعانة بالعلم سيستمر ضعفنا وسيستمر استغلال الغير لنا.

كما أن ماضينا، كماضي كل الشعوب، لم يكن جميلاً دائماً، ويصعب تخيُّل العودة، فحتى أكثر المغرمين بالنماذج الإسلامية «الصحيحة»، سواء في إيران أو أفغانستان، لا يود العيش تحت أنظمة حكمها!

ولو آمنا بأن الأصولية هي الطريق الصحيح، وهذا ما نسمع به منذ نصف قرن، فماذا قدم الأصوليون لمجتمعاتهم، أفراداً وجماعات، من اختراعات أو اكتشافات، أو حتى كتب وروايات وأي نوع من الإبداعات، لكي يصبحوا جديرين بأن تقتدي بهم الدول والشعوب، فهل قدموا أي اختراع، أو أنتجوا أي دواء، أو زادوا إنتاج نبتة، أو حسنوا الزراعة؟ الجواب.. لا شيء!

وبالتالي فإن الحل يكمن في اتباع أسلوب الدولة المدنية، وهو المتبع في العالم المتقدم.

نقلًأ عن «القبس»

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى