رؤى

داء بلا دواء

التنظيمات الأصولية اليهودية المتأثرة بأفكار هازونى تسيطر على مقاليد السياسة فى إسرائيل

د. عصام عبد الفتاح
Latest posts by د. عصام عبد الفتاح (see all)

فى مفتتح كتابه العمدة «نقد العقل الخالص»، يقول الفيلسوف الألمانى إيمانويل كانط: «إن للعقل خاصية متميزة فى أنه محكوم بمواجهة مسائل ليس فى الإمكان تجنبها. فهى مسائل مفروضة عليه بحكم طبيعته. بيد أن العقل عاجز عن الإجابة عنها. وهذه المسائل تدور حول مفهوم المطلق، سواء أطلقنا عليه لفظ الإله أو الدولة».. لذلك كان كانط يرى أن تاريخ الفلسفة هو سرد لقصة عجز العقل الإنسانى عن بلوغ الحقيقة المطلقة وامتلاكها بين يديه.

وقد سرد لنا الدكتور/ مراد وهبة فى كتابه المهم «الأصولية وإرهابها»، ذلك الصراع التاريخى الدموى بين الدوجمائيين، أو بتعبير آخر الواهمين بامتلاكهم وحدهم الحقيقة المطلقة عن كل شىء فى الوجود، وبين المدافعين عن قدرة العقل النسبية على إدراك الحقائق.

ولفظة «الدوجمائية» تشير إلى القرارات والأحكام التى يتمسك بها الإنسان، بل يفرض على الكافة التسليم بصحتها بوصفها تعبر عن الحقيقة المطلقة، دون إقامة أى دليل أو برهان على صحتها. والكلمة تشير تاريخيًّا إلى قرارات المجامع المسيحية التى تعبر فى نظرها عن الحقيقة المقدسة وتتهم كل من ينكرها أو حتى يعيد النظر فيها بالكفر والإلحاد. وتعتبر الأصولية من الزاوية الفلسفية صورة من الدوجمائية، حينما يتعلق الأمر بنزعة دينية.

وقد لعبت النزعات الأصولية على مر التاريخ الإنسانى دورا كبيرا فى اضطهاد ومطاردة عدد كبير من الفلاسفة، أمثال سقراط وجيوردانو برونو.. وغيرهما. ورغم بزوغ عصر التنوير فى القرن الـ 18 وانتشار مبادئه المدافعة عن سلطان العقل وحرية الفكر وحقوق الإنسان فى ربوع العالم الغربى، إلا أنه لم يتمكن من القضاء تماما على الأصولية.. إذ تصدت للتنوير تيارات أصولية، لعل أهمها التيار الذى تزعمه المفكر السياسى الإيرلندى «إدموند بيرك» فى القرن الـ 18.

فقد هاجم بشدة فى كتابه الشهير «تأملات حول الثورة فى فرنسا» مبادئ الثورة الفرنسية وما تدعو إليه من حريات وحقوق للإنسان، بدعوى أن هذه الحريات ليست فى حاجة إلى تأصيل فلسفى يردها إلى حق مسبق، لأنها فى رأيه وليدة الوراثة؛ أى أن الأبناء يتوارثونها عن آبائهم وأجدادهم، وعلى الإنسان أن يحافظ على تقاليد وأفكار الأجداد وألا يفكر أبدا فى المساس بها بحجة الإبداع، لأن القيم المتوارثة هى السبيل الأوحد لاتصال الأجيال القادمة بالسابقة. كما حمل بيرك بقسوة على التعليم المدنى والتنوير، واعتبرهما ضربًا من الكفر والإلحاد.

وانتشرت أفكاره فى بريطانيا والولايات المتحدة الأمريكية، وتأثر بها المفكر الصهيونى الأمريكى/ يورام هازونى، وهو أحد أهم الداعمين للتيار الأصولى القومى اليهودى.. إذ نشر عام 2018 مؤلفًا عنوانه «فضيلة القومية» The vertu of nationalism، تُرجم إلى عشرات اللغات، وحقق رواجا هائلا فى الغرب، ويعد اليوم أحد المراجع الأساسية لليمين الدينى المتطرف.

يهاجم هازونى فى كتابه فكرتى «العالمية» و«الكونية» ومبادئ التنوير وحقوق الإنسان، ويدافع عن فكرة «الدولة ـ الأمة» المستقلة، والمؤسسة على فكرة القومية.. ومن أهم العبارات التى أخذها هازونى عن معلمه الأصولى الحاخام مير كاهان قوله:

«ينبغى ألا ننسى أبدا أننا جئنا إلى أرض إسرائيل لنؤسس عليها دولة يهودية، وليس دولة من طراز غربى. علينا أن نمتثل للقيم اليهودية وليس القيم الغربية الزائلة. لن نسمح لليبرالية ولا الديمقراطية ولا لرؤية تقدمية مزعومة أن تحدد ما هو خير أو شر لنا». وقد أنشأ هازونى «مؤسسة إدموند بيرك» فى واشنطن من أجل ترسيخ النزعة القومية المتطرفة فى الغرب.

وحدد بوضوح خطها الأيديولوجى فى لائحتها بقوله: «نحن نؤمن بأن تقليد الدول ـ الأمم المستقلة التى تحكم نفسها بنفسها- يمثل الأساس الضرورى للوطنية والشجاعة والشرف والإخلاص والسبت اليهودى والعقل والعدالة».

لا شك أن التنظيمات الأصولية اليهودية المتأثرة بأفكار هازونى تسيطر على مقاليد السياسة فى إسرائيل، وسيكون لها التأثير الأعظم على أى انتخابات مقبلة، وهى إذا ما أزاحت نتنياهو، فستأتى بمن هو أشد أصولية منه، وهو ما يدعو إلى التشكك فى جدوى حل الدولتين.. إذ باتت الأصولية فيما يبدو داءً بلاد دواء.

المصري اليوم

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى