رؤى

دفاعًا عن العقلانية

الوعي الذي يحرك الحداثة والتحديث لا يكتمل إلا بعيدًا عن القمع الديني

د.جابر عصفور
Latest posts by د.جابر عصفور (see all)

تحت هذا العنوان كتب د. جابر عصفور مقاله المنشور في «بوابة الأهرام» الإلكترونية عن الحداثة والعقلانية ..

وجاء في المقال:

لا يزال مستقرًا في وعيي أن الحداثة والتحديث والعقلانية والحرية هي طرق المستقبل في حياتنا. ولا فارق بين الحداثة والتحديث إلا في أن الكلمة الأولى تشير إلى الجانب الفكري والمعنوي، بينما التحديث يشير إلى الجانب المادي من الفعل الشامل لتغيير المجتمع وتطويره.

أما العقلانية فهي الوعي الذي يحرك الحداثة والتحديث في كل مستوياتهما وعلاقاتهما على السواء. ولا يكتمل له ذلك إلا في مناخ من الحرية التي تفتح أمام العقل كل أبواب الاجتهاد دون خوف من الخطأ أو القمع المعرفي أو السياسي أو الديني.

الحداثة والفكر العقلاني الحر

ولذلك فلا حداثة ولا تحديث دون شيوع الفكر العقلاني الحر في المجتمع وأولويته في العقل الجمعي الذي يفكر في المستقبل.

ولهذا اخترتُ أن أكون ناقدًا عقلانيًّا منذ أن كتبتُ كتابي الأول في مجالات النقد الأدبي، ومضيتُ في هذا الطريق إلى أن جاءت السبعينيات التي أشعرتني بحاجتنا الشديدة إلى العقلانية وإلى التمسك بها كالحرية سواء بسواء. ومن حُسن الحظ أنني تأثرتُ بالفكر العقلاني للمعتزلة في القرن الثالث للهجرة، قبل أن أتأثر بالفكر الرُّشدي (ابن رشد) في القرن السادس للهجرة الذي جاء بعد تحول الفكر الكلامي إلى فلسفة خالصة.

والحق أنني لم أتخيل فارقًا كبيرًا بين عقلانية الاعتزال عند ازدهاره في القرن الثالث للهجرة، وعقلانية ابن رشد قُرب مغيب التيار العقلاني عن الفلسفة العربية في القرن السادس للهجرة. ولا أزال أرى أن الجانب المزدهر في الحضارة العربية الإسلامية ظل قرين ازدهار العقل والعلم على السواء.

صحيح أننا لا نهتم كثيرًا بتاريخ العلم العربي، ولكن أي نظرةٍ فاحصةٍ إلى تراثنا تؤكد أن ازدهار العلم العربي كان مرتبطًا دائمًا بازدهار العقلانية الفلسفية، ولذلك كان ازدهار الفكر العقلاني هو الوجه الآخر لازدهار العلم في التاريخ الإسلامي.

وحتى عندما انتقلت ثمرات الحضارة العربية الإسلامية إلى أوروبا، وأخذت أوروبا في ترجمة العقلانية العربية، سبيلًا لها إلى النهضة والاستنارة، وأخذنا نحن في الانحدار المتزايد والتبعية لأوروبا الصاعدة، فإننا عدنا إليها لنتعلم منها ما سبق أن أعطيناه لها، وما أضافت هي إليه في التتابع الصاعد لحركة التاريخ.

وهكذا بدأنا نأخذ منها بعد أن سبق أن قدَّمنا إليها، وخضعنا لها في عمليات غزوٍ استعماري بعد أن كنا نحن نقوم بهذا الدور في العالم القديم. ولذلك كان من الطبيعي أن يكون التقدم الأوروبي الحديث لنا نبراسًا ومقياسًا مع عصر النهضة.

العقل يحرك العلم

هذا الدرس الذي يقدِّمه تاريخ تراثنا العربي الإسلامي هو الدرس نفسه الذي يعنينا في سعينا نحو التقدم والازدهار في عصر مختلف في مستقبله وأحلامه عن آفاق مفتوحة إلى ما لا نهاية من الحرية والعدل الذي ورثنا قبسًا من نورهما في عصورنا السابقة، فقد تعلَّمنا من تراثنا، في عصور ازدهاره، أن العلم كالعقل، وأن العقل يحرك العلم ويدفعه إلى التقدم.

فالعلم يبدأ بفكرةٍ، والفكرة تبدأ من التفكير والاجتهاد، ولذلك كان نجيب محفوظ يرى في تلازم العلم والعقل المقرون بالعدل، بشيرًا بمشرق النور والعجائب في رائعته: «أولاد حارتنا»، ولذلك جعل من «عرفة» وريث الديانات والحضارات، مبتكر الأفكار وصانع المعجزات التي تتحول إلى بدايات جديدة لحيوات أجد.

وبالقدر نفسه كنتُ أرى أن كل هزيمةٍ وانحدارٍ في مسيرتنا التاريخية منذ مشرق الإسلام إلى اليوم، مرتبطة بانكسار العقلانية وهزيمتها في مواجهة خصومها: الاستبداد والظلم والقمع. وهذا نوع من التفكير انتهى بي إلى أن العقلانية ليست درسًا من دروس الماضي، ولا هي لُحمة وسدى تراث الاستنارة العربي والعالمي، وإنما هي طريق المستقبل الواعد.

وربما كان أخطر ما يتميز به عصرنا، على مستويات السلب، أن العقلانية فيه كانت مهددة على كل مستوى وفي كل مجال، وأن الفكر المصري قد انحرف عن تطوره الطبيعي في مجرى العقلانية مع السبعينيات، وأن هذا الفكر قد انتقلت إليه جراثيم التعصب والاستبداد والإرهاب منذ التحالف مع الإخوان المسلمين من ناحية، ومع الرجعيات العربية والغربية من ناحية ثانية.

النزعات الإسلامية المتطرفة

وقد زاد الأمر كارثية، قيام الجمهورية الإسلامية فى إيران، وما أعقبها من نزعات إسلامية متطرفة ومعادية للعقل في غيرها من الأقطار التي كانت ولا تزال سدًّا منيعًا يعوق تدفق الحركة الخلاقة للعقل المقرون بالحرية والعدل اللازمينِ لحضور العقل في فعله المجدد. ولذلك اخترتُ عنوان: دفاعًا عن العقلانية ليكون عنوانًا لكتابي الجديد الذي سيصدر بعد انقضاء جائحة كورونا وذهابها إلى حيث جاءت بإذن الله سبحانه وتعالى.

إن العقلانية تعني الاحتكام إلى العقل، والاحتكام إلى العقل يعني المساواة بين العقول وقبول اختلافها بوصفه أمرًا طبيعيًّا، وسُنَّة من سنن الكون. ولم يكن من قبيل المصادفة أن ذهب ديكارت، الفيلسوف الفرنسي، إلى أن العقل هو أعدل الأشياء توزُّعًا بين الناس، فالله قد منح الجميع عقولًا يتساوون بها في معنى الإنسانية المُلازمة للحرية وغاياتها.

ولا فارق بين واحد منهم عن غيره إلا في مدى استخدامه هذا العقل الحر في مجالاته المختلفة والغاية التي يمكن أن يصل إليها بهذا الاستخدام. ولذلك فمن المؤكد أن هناك فارقًا بين من يُعمل عقله الحر في كتاب الكون أو كتاب الطبيعة، ومن لا يُعمل هذا العقل.

وإذا كان الله يثيبنا على قدر ما توجَّهنا إليه إرادتنا الحرة، في مسعى عقولنا الحُرة التي خلقها فينا خالقنا، حجة علينا، فإنه بالقدر نفسه يساوي بيننا وبين غيرنا من خلقه بما لا يمايز بين بشر وغيره. فالعقل الذي هو أعدل الأشياء توزعًا بين الناس هو العقل نفسه الذي يسوِّي بين الناس، فلا يمايز بينهم إلا بمدى فعله الخلاق بفضل هذا الكائن أو ذاك.

الوسوم
اظهر المزيد

د.جابر عصفور

كاتب ومفكر مصري، ووزير الثقافة الأسبق، كما تولى عدة مناصب رسمية في المجال الثقافي من بينها، رئيس المجلس القومي للترجمة والأمين العام للمجلس الأعلى للثقافة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق