رؤى

دولة الخلافة وأزمة الحداثة

مغالطات تاريخية ودينية استغلتها التنظيمات الإرهابية

د. خالد كاظم أبو دوح
Latest posts by د. خالد كاظم أبو دوح (see all)

لا شك في أن ضعف وهشاشة نظام الدولة الحديثة في عالمنا العربي، وفشلها في صياغة المواطنة الحديثة القادرة على استيعاب التمايزات الدينية والطائفية والقبلية، منح الجماعات الإسلامية المسلحة والتنظيمات الإرهابية، فرصة كبيرة للاستخدام النفعي لمفهوم «دولة الخلافة»، والتشدق بهذا المفهوم وطرحه كبديل.

وبغض النظر عن هذا الاستخدام النفعي، وما يتضمنه هذا المفهوم من مغالطات تاريخية ودينية، إلا أننا لا ننكر أن للمفهوم وقع مقدس على آذان المسلمين البسطاء، مواطني الدولة الحديثة، الذين يبحثون عن عدل الرسول صلي الله عليه وسلم، وعدل عمر بن الخطاب رضي الله عنه،

ويتمنون لو أنهم عاشوا عصر الخلفاء الراشدين، ليس حنينا للماضي بقدر ما هو فرارًا من الشعور بالظلم، وهروبًا من احساسهم الدائم بغياب العدل عن الواقع الذي يواجهونه كل يوم.

دولة الخلافة والسياقات التاريخية

ويعد مفهوم دولة الخلافة مفهوم إشكالي ومحل جدل في ثقافة الحكم في تاريخنا الإسلامي، ويعاد طرحه من حين لآخر من

قبل بعض المفكرين الإسلاميين المتشددين في بلادنا. دون رده إلى سياقاته التاريخية، ودون مناقشة مدى ملائمته للتحولات الحديثة في مجتمعاتنا وحياتنا المعاصرة.

ومازال هناك من ينظر إلى دولة الخلافة باعتبارها البديل للدولة الحديثة القائمة في وقتنا الراهن.

لذلك فالخلافة في الفكر والتفكير الإسلاميين المعاصرين رمزا لتاريخ عظيم، ويوتوبيا تأسيس مستقبل مجيد، إنها مزيج الماضي مع المستقبل، وإشكالية طلب الخلافة ترتبط باستعادة الدولة، واستعادة الدولة هي استعادة الإسلام، وهنا تلازم حضور الخلافة مع حضور الدولة، وحضور الخلافة مع حضور الإسلام.

وهو توظيف إيديولوجي نفعي بالأساس، ولكنه موجود كفكرة أمن بها كثير من المفكرين الإسلاميين، وتحاول بعض تيارات الإسلام السياسي من فترة لأخرى تنفيذها والسعي لها بالعنف والإرهاب وبأي وسيلة ممكنة.

الخلافة مكون من مكونات الإيديولوجيا الإسلامية

وفي هذا السياق، يشير «فالح عبد الجبار» إلى أن الخلافة مكون من مكونات الإيديولوجيا الإسلامية، سواء كان ظاهر أو مضمر، وهو أساس راهن عند بعضهم، ومؤجل عند البعض الآخر، الحلم بعودة الخلافة في الجناح السني، أو عودة المهدي في الجناح الشيعي، فكرة قديمة وحلم متكرر.

أخذت فكرة استعادة الخلافة تظهر منذ مطلع القرن العشرين بصيغ مختلفة، وفي ظروف متباينة، ووفقا لأهداف متعارضة: إثباتًا أو نفيًا.

وهناك محطات رئيسة ينبغي الإشارة لها؛ لعل الاسم الأبرز الأول في القرن العشرين هو عبد الرحمن الكواكبي، وكتابه (أم القرى) عام 1900م، يليه محمد رشيد رضا، وكتابه بعنوان (الخلافة)، ومجلة المنار العدد (24) عام 1932م، ثمعلى عبد الرازق، وكتابه بعنوان (الإسلام وأصول الحكم) عام 1924م، ثم تقي الدين النبهاني وتأسيسه لحزب التحرير عام 1953م، وتأليفه كتاب (نظام الحكم في الإسلام)،

وحركة جهيمان العتيبي في السعودية، بدأت الحركة عام 1974م، وانتهت بتمرد الحرم المكي عام 1979م، وأسامة بن لادن

عام 1980 م، واخيرا ثنائي أبو عمر البغدادي عام 2006م في العراق، وأبي بكر البغدادي عام 2014م في العراق والشام.

والمحطات السابق ذكرها ليست على وتيرة واحدة، بل تبدو أحيانا مختلفة حد التناقض، لكن الغرض من سردها، حث القارئ على محاولة التعرف عليها وقراءتها، بشكل مستفيض، وليس هنا مجال لمناقشة أو تقديم تحليل نقدي لكل محطة من هذه المحطات.

والخلاصة هنا، أن دعوة بعض الجماعات والتنظيمات لفكرة دولة الخلافة، تضعنا أمام قضية حضارية ومعضلة سياسية كبيرة، فعودة هذا المفهوم من حين لآخر، يمكن اعتباره مؤشرا على أزمة الحداثة السياسية في العالم العربي.

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى