الخطاب الإلهى

لمحات جمالية في آيات القرآن (2)

الخطاب الإلهي والأمر بالهبوط لآدم وحواء وذريتهما

استعرضنا في الحلقة السابقة من سلسلة موضوعات «لمحات جمالية في آيات القرآن» أحد لمحات روائع البيان في الآيات القرآنية.

حيث تناولنا مجيء كلمة (ولد)، و(غلام) في قصتي (مريم وزكريا) عليهما السلام، وموطن البلاغة فيهما، والتي تكشف الإعجاز اللغوي في السياق القرآني.

ونستكمل في هذا الموضوع روائع البيان في آيات القرآن، أو رصد «جماليات» معانيه، فهي من اللمحات التي تغيب عن البعض وهم يقرأون القرآن، فإذا عرفوها أمكن لهم أن يتذوقوا جمال الكلمات.

روائع البيان في استخدام لفظي «اهبطوا واهبطا»

«قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ» (البقرة: 38).

يقول الحق سبحانه وتعالى في هذه الآية: «قُلْنَا اهبطوا مِنْهَا جَمِيعا»..

ثم في سورة طه يقول جل جلاله: «قَالَ اهبطا مِنْهَا جَمِيعًا»..

فلماذا تغيرت الصيغة من الجمع إلى التثنية؟

يجيب الشيخ محمد متولي الشعراوي في تفسيره: عندما خاطب الله سبحانه وتعالى بصورة الجمع كان الخطاب لكل ذرية آدم المطمورة في ظهره، (أي الذين في صلبه ولم يأتوا بعد إلى الحياة)، أمرًا لهم جميعًا بالهبوط، أي آدم وحواء والذرية؛ لذا فالخطاب هنا بصيغة الجمع.

أما قوله تعالى: «اهبطا مِنْهَا جَمِيعًا..» فلأن الأمر هنا يتعلق ببداية تحمل المسئولية في الدنيا بالنسبة لآدم وحواء، ففي هذه اللحظة وهي لحظة الهبوط على الأرض سيبدأ منهج الله مهمته في الحياة، وما دام هناك منهج وتطبيق فردي، فتكون المسئولية فردية. ولا يأتي الجمع هنا.

اللمحات الجمالية في استخدام لفظي «نرزقكم ونرزقهم»

لماذا قال تعالى: «نَّحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ»، ثم قال في آية أخرى «نَّحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُم»؟

المثال السابق الذي أوردناه من سورة البقرة له شبيه في سورتي (الأنعام) و(الإسراء) يتعلق بنهي القرآن عن قتل الأطفال. وقد كان يفعله بعض أهل قريش قبل الإسلام ثم عاد القرآن يحذر منه.

في سورة الأنعام جاء الأمر: «وَلا تقتلوا أَوْلاَدَكُمْ مِّنْ إمْلاَقٍ نَّحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ» (الأنعام: 151).

وفي سورة الإسراء جاء قوله سبحانه: «وَلا تقتلوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ نَّحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُم» (الإسراء: 31).

كلمة إملاق تعني: فقر.

وقوله تعالى: «وَلا تقتلوا أَوْلاَدَكُمْ مِّنْ إمْلاَقٍ» يعني: لا تقتلوا أولادكم لأنكم فقراء؛ ولذلك قال لهم الحق سبحانه وتعالى: «نَّحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ».

وقد تقدم الخطاب إلى الآباء في (نرزقكم) على الأبناء، (وإياهم) لأن الذي يشقى ويتعب لجلب الرزق في الدنيا هم الآباء، والله يقول لهم نحن نرزقكم ونرزقهم، أي لا تظنوا أن أمر الرزق مرهون بكم أنتم.

أما في الآية الثانية: «وَلا تقتلوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ» فالمعنى هنا أن الآب ليس فقيرًا، لكنه يخشى حصول الفقر في المستقبل بعد أن يموت مثلًا، أو يفلس، فيقتل أطفاله حتى لا يعانوا الفقر بعد موته.

وهنا يقول له الحق سبحانه وتعالى: «نَّحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُم»؛ أي أن رزقهم سيأتيهم قبل رزقكم، كما أنه سيأتيهم حتى لو لم تكونوا أحياء وقتها أو أغنياء.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى