أخطاء شائعة

سدود آبى أحمد المائة؟!

خطورة احتجاز الكمية الكبرى من المياه للزراعة التي تستهلك من حصة أي دولة

Latest posts by عماد الدين حسين (see all)

يوم الإثنين الماضي، قال رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد، إن «حكومته سوف تبني ١٠٠ سد صغير ومتوسط في مناطق مختلفة من البلاد في السنة المالية المقبلة، وإن ذلك هو السبيل الوحيد لمقاومة أي قوى مقاومة لإثيوبيا، وإن هذا المشروع سيكون له دور فعال في الإنتاج الزراعي الذي سيتضاعف ٣ مرات سنويًا بهدف ضمان الأمن الغذائي لإثيوبيا».

ما قاله آبي أحمد في منتهى الخطورة، ويعني عمليًا أن إثيوبيا، قد بدأت تتعامل فعليًا مع النيل الأزرق باعتباره بحيرة إثيوبية داخلية، وليس نهرًا دوليًا خاضعًا للاتفاقيات والمعاهدات الدولية الخاصة بالأنهار المشتركة.

الحقد الإثيوبي على مصر على مر العصور

كنا نعتقد في الماضي أن الكراهية والحقد والغل على مصر، مجرد حالة لدى شخص أو اثنين أو مجموعة قليلة مثل وزير الري (بيكلي) الذي قال بعد الملء الأول في يوليو الماضي: إن «النيل كان نهرًا وصار الآن بحيرة داخلية»!!.

ثم اكتشفنا أن هذه الحالة تشمل جميع القادة الإثيوبيين الحاليين والسابقين، وإنها تقريبًا الشيء الوحيد الذي يُجمع عليه الإثيوبيون، باعتبارهم أنهم منقسمون على كل القضايا تقريبًا.

والمؤكد أن تصريحات آبي أحمد الأخيرة تعني شيئًا جوهريًا، وهو أن إثيوبيا أساءت فهم النوايا المصرية السلمية، طوال السنوات العشر الماضية باعتباره ضعفًا، وأنه يحق لهم أن يفعلوا مع النيل ما يشاءون.

أهداف الرئيس الإثيوبي آبي أحمد بعيدة المدى

ليس مهما هل سيبنى آبي أحمد ١٠٠ سد أم أنه مجرد «طق حنك» للاستهلاك الإعلامي، لأن القضية هنا لا تتعلق بالعدد فقط، بل بالنوايا والأهداف بعيدة المدى.

حينما أقامت إثيوبيا سد النهضة على الحدود مع السودان، فهي كانت تبعث بإشارة واحدة، للأسف لم يفهمها معظمنا في حينها، وهي أنها تريد تحويل السد إلى حاجز ومحبس للتحكم في مرور المياه لمصر والسودان، وليس فقط لتوليد الكهرباء.

هي أعلنت فى بداية إنشاء السد عام ٢٠١١ أن سعته لن تتجاوز ١٤ مليار متر مكعب، وعندما شعرت أن مصر ضعفت وانشغلت بمشاكلها الداخلية، قررت أن ترفع السعة إلى ٧٤ مليار متر مكعب.

واليوم وبعد أن كانت تقول إن السد أو السدود هدفها توليد الكهرباء، فإنها بدأت تتحدث عن أن هدفها هو زيادة الإنتاج الزراعي إلى ثلاثة أضعاف.

تطور الأهداف الإثيوبية من بناء السد

هذا تطور في منتهى الخطورة، لأن توليد الكهرباء لا يستهلك مياهًا، في حين أن الزراعة والتوسع فيها سواء لإثيوبيا أو للبلدان التي تستصلح وتزرع في إثيوبيا سيكون ذلك على حساب حصة مصر بصورة أساسية.

أي دولة خارجية تزرع في إثيوبيا، فكأنها تستورد المياه من إثيوبيا التي سوف تستفيد باستثمارات وأموال، ونحن من سيدفع الثمن فقط، وبالتالي فالخطورة الحقيقية إذا نفذت إثيوبيا أي مشروعات سدود من دون التوافق مع مصر والسودان، ومن دون الوصول إلى اتفاقيات ملزمة وقانونية ودائمة تضمن حقوق الجميع، فإن إثيوبيا تكون عمليا كمن أعلنت الحرب الفعلية لتعطيش وتجويع مصر.

ولن تكون المشكلة وقتها مجرد سد النهضة فقط، بكل خطورته وآثاره المدمرة، ولكن خطورة السدود الأخرى أنها سوف تحتجز الكمية الكبرى من المياه من أجل الزراعة التي تستهلك الجزء الأكبر من حصة أي دولة، مقارنة مثلًا بالاستخدامات الأخرى مثل مياه الشرب.

اندفاع الرئيس الإثيوبي آبي أحمد

ما يفعله آبي أحمد في الأيام الأخيرة أقرب ما يكون إلى المقامرة والاندفاع بأقصى درجة للمجهول، بصورة أقرب للانتحار.

هو يراهن إما على تحقيق كل ما حلم به الإثيوبيون من تعطيش مصر، أو الدخول في مواجهة مفتوحة معها من أجل توحيد عرقياته وطوائفه ومناطقه وأقاليمه المنقسمة والمتحاربة والهشة.

هو يعتقد أن الصدام مع مصر، سيفيده في توحيد بلاده، ونجاح مشروعه السياسي في إثيوبيا، وقد يضمن له تأييدًا دوليًا وإقليميًا من قوى لا تكنُّ أي ودٍّ لمصر.

مصر تحلَّت بالصبر أكثر من اللازم، وما تفعله إثيوبيا الآن يصعب تحمله، وإن لم يتم ردع آبي أحمد وكل قادة إثيوبيا بصورة حاسمة، فإننا سنواجه الأسوأ في الفترة المقبلة. وكما قال وزير الخارجية السابق السفير نبيل فهمي للإعلامية عزة مصطفى في قناة صدى البلد: «الصدام جاي جاي، إذا استمرت إثيوبيا في اتخاذ قرارات أحادية، وتحرك أديس أبابا في الآونة الأخيرة يعكس أن لها اليد الوحيدة في اتخاذ القرارات الخاصة بهذا الجزء من نهر النيل».

كلام الوزير صحيح جدًا، وبالتالي علينا أن نستعد لكل السيناريوهات؛ لأن ما يخطط له آبي أحمد لا يعني إلا تركيع مصر، وهو ما لا ينبغي أن نسمح به مهما كانت العواقب.

نقلًا عن جريدة «الشروق»

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى