الخطاب الإلهى

سورة تحكي سيرة الإنسان

غياب الحق عن الواقع المعيش يعني فساده

تحت عنوان «مستنقع الخسارة» كتب د. محمود خليل، مقاله المنشور في جريدة «الوطن» حول سورة العصر، وما تحمله من معانٍ إنسانية.

بدأ الكاتب المقال بتوضيح أن سورة العصر تحكي سيرة الإنسان مهما تقلّبت الأزمنة واختلفت الأمكنة.. وهي تبدأ بقَسم عجيب «والعصر» ويعني الزمن أو الدهر.

وذكر أنه على مر العصور والدهور يسير الإنسان وهو يحمل على كاهله الخسارة.. ماذا نتوقع من نسلٍ خرج من ظهر قاتل أخيه؟.. إنها الخسارة التي جناها «قابيل» حين قتل أخاه، وحمله على ظهره، باحثاً عن مكان يواري فيه جثة الذي تقبل الله تعالى قربانه.. انظر كيف يصف نجيب محفوظ قاتل أخيه في رواية «أولاد حارتنا» قائلاً: «قاتل أخيه لا أب له.. لا أم له.. لا أخ له».

وأضاف: قاتل أخيه بلا جذر ولا فرع.. إنه خاسر ولا شك مهما اختلفت الأزمنة أو الأمكنة.

وأشار كاتب المقال إلى أن السورة تؤكد على أن الإنسان -أي إنسان- يسير حاملاً خسارته وراء ظهره: «إن الإنسان لفي خسر»، هناك سبيل نجاة واحد لمن يريد أن يُلقي حمل الخسارة عن ظهره.أولى محطات الطريق هي الإيمان بالخالق عز وجل، وردف الإيمان بالعمل الصالح.. المؤمن لا يعمل إلا صالحاً.. والصلاح ضد الخسارة إنه السلاح الوحيد القادر على هزيمتها: «إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات».. تلك هي أولى محطات نجاة الإنسان -أي إنسان- وأول باب للخروج من مستنقع الخسارة.المحطة التالية هي التواصي بالحق: «وتواصوا بالحق».. التواصي بالحق هو درة التاج في الالتزام بكل القيم النبيلة في الحياة.. فالتواصي بالحق لا يأتيه سوى الممتلئ عدلاً وإنصافاً وإحساناً وإيثاراً ورحمةً وتسامحاً.

ولفت الكاتب إلى أن التواصي بالحق نتاج كل القيم السامية التي تتمكن من نفس الإنسان.. غياب الحق عن الواقع المعيش يعني فساده.. غياب الحق يعني سيطرة الظلم.. والظلم أكثر مسمِّمات ومُفسدات الحياة الإنسانية، وهو ينذر في كل الأحوال بتفسّخ المجتمعات وهلاكها: «وتلك القرى أهلكناهم لما ظلموا وجعلنا لمهلكهم موعداً».

وبين أنه قديماً قال «ابن خلدون»: «العدل أساس العمران».. ولا سبيل إلى تحقيق العدل إلا بأن يفهم الإنسان معنى الحق ويدافع عنه ويوصي به نفسه وغيره.. تلك هي الضمانة الوحيدة للنماء والعمران.المحطة الأخيرة لنجاة الإنسان من حمل الخسار، كما تحددها سورة العصر، تتحدد في التواصي بالصبر «وتواصوا بالصبر».. الحياة بطبيعتها تحتشد بالضغوط والآلام، وأوجه مختلفة من الحرمان، وأشكال متنوعة من الغبن، وصور شتى من القهر.. ولا نجاة للإنسان من كل ذلك إلا بالصبر، فهو السلاح الوحيد القادر على تربية الإنسان على التحمل.

وفي نهاية المقال ذكر الكاتب أن المدافع عن الحق مطالبٌ بالصبر أكثر من غيره، لسببين: أولهما أن معرفة الحق والوقوف عليه تتطلب صبراً.. فالحق نسبي، ولا يستطيع إنسان أن يزعم أنه يملك الحق كاملاً أو يقيناً، إلا أن يكون واضحاً لصاحبه وضوح الشمس، والحق لا يكون كذلك إلا إذا تصالح المجموع على وصف شيء ما بأنه يمثل «ظلماً» يستوجب الدفع، في هذه الحالة فقط يمكن أن يطمئن الإنسان إلى موقفه، وعلينا ألا ننسى أن الآية الكريمة من سورة العصر تتحدث عن أن مسألة التواصي بالحق وكذا الصبر هي مسألة مجموع بشري: «وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر»، وينقلنا ذلك إلى السبب الثاني الذي يدعو الإنسان إلى الصبر وهو يدافع عن الحق، وهو المغارم التي يمكن أن تصيب المدافع في مثل هذه الأحوال.. فالدفاع عن الحق له ثمن لا بد أن يتقبله الإنسان راضياً مرضياً راجياً.ذلك هو سبيل النجاة من مستنقع الخسارة.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى