رؤى

شروط العلماء

العلم التجريبي يقارنه شيوخنا بعلوم الدين للتدليل على وجوب احتكاره

Latest posts by خالد منتصر (see all)

أثار الحوار في مسلسل فاتن أمل حربي، الذي جرى بين بطلة المسلسل وأحد الدعاة السلفيين عن العلماء جدلًا كبيرًا، الحوار الذي طالبها فيه الداعية باعتبار كلام العلماء كلامًا نهائيًا لا يُناقَش، لأنهم علماء، فاعترضت لأن ما يقوله الداعية ليس فيزياء ولا كيمياء، ومن حقها السؤال عما إذا كان هذا الكلام قد قاله الله أم الفقهاء.

انتهى هذا الحوار بطردها بمنتهى العنف هي والشيخ الشاب الذي كان يتّخذ هذا الداعية مرجعًا وقدوة، هذا الموضوع الجدلي كنت قد سلطت عليه الضوء عدة مرات، وأوضحت الفرق بين العلم والمعرفة، وهذا ملخص ما كتبته في مقالات متعدّدة من قبل.

علوم الدين عند السلفيين

هل الدين أو ما نسميه علوم الدين هي علم حقًا، وتنتمي إلى عالم ومجال العلوم وتتبع آلياته وتخضع لطريقة نقده وإثباتاته وبراهينه؟ وهل ينتقص من قدر الدين أنه ليس علمًا، وبالعكس هل يرفع من شأنه وتزداد قداسته بكونه علمًا أم أن للدين مجاله وللعلم مجاله المختلف، وأن هذا الاختلاف لا يعني بالضرورة أن هذا أفضل من ذاك؟

نحتاج أولًا للإجابة عن هذا السؤال وحل تلك الإشكالية أن نعرف أولًا ما هو تعريف العلم؟ وهل مقارنة علم الحديث وعلم الرجال والجرح والتعديل بعلم الطب أو الفيزياء مقارنة صحيحة وفي محلها، أم أن الأمر فيه توصيف خاطئ ومغالطة منطقية؟ وهل حتمية لجوء المريض إلى الطبيب المتخصّص لعلاجه ووصف الدواء له هي نفس حتمية ذهاب المواطن إلى الشيخ أو الداعية أو الكاهن لمعرفة دينه ووصف الفتوى المناسبة له؟ وهل لا بد أن يضع كل منا رأيه وعقله جانبًا معطلًا لا يجادل شيخه ولا يحاول طرق أبواب جديدة لفهم الدين، طبقًا لمتغيرات الزمن مثلما نعطله أثناء إجراء الجراحة التي لا يعرف تفاصيلها وتقنياتها إلا الجراح فقط؟

ضبط المصطلحات

هذه الأسئلة وغيرها سنحاول الإجابة عنها وطرح النقاش حولها، لأنه لن تحدث أي ثورة دينية أو فكرية أو حضارية عمومًا إلا إذا ضبطنا المصطلحات التي نتحدث عنها، وإلا عشنا في حوار الطرشان والعميان الذي نعيش فيه بامتياز منذ الفتنة الكبرى!

الكثير منا ما زال يخلط بين العلم بمعنى الـscience، والمعرفة بمعنى الـknowledge، والفرق بينهما كبير، فتكديس المعلومات ليس هو العلم، ومعرفة كل معلومات الكلمات المتقاطعة وكتب المسابقات ليس هو العلم، ولكن العلم، خاصة العلم التجريبي الذي يندرج تحته الطب والفيزياء والكيمياء.. إلخ، والذي دائمًا يقارنه شيوخنا بعلوم الدين للتدليل على وجوب احتكاره.

هذا العلم تعريفه ببساطة هو ما لخّصه فيلسوف العلم «كارل بوبر» بقوله «العلم هو ما يقبل التكذيب»، يعني العلم هو ما يقبل التفنيد والتحقّق منه وفرزه ودحضه وتخطيئه، يعني عندما أقول عبارة مثل «دمياط بقعة عزيزة محبّبة إلى نفسي»، هذه عبارة غير علمية، أو لا تنتمي إلى العلم بصلة، فكيف سأثبت أو أكذب أو أفند هذا الحب أو أقيس هذا الغرام! أما عندما أقول لك «دمياط أرض فيها بترول»، حينها سنذهب أنا وأنت بالمجسات وآلات الحفر ونقف أمام هذا التحدي العلمي، إما أن أكون أنا على صواب وإما على خطأ بالإثبات والأدلة، هنا أمكنك تكذيبي وتفنيد رأيي.

العلم ملاحظة واستنتاج وتجربة

وكذلك عندما تخبرني بأن من يقول سبحان الله ثلاثين مرة هو أفضل ممن يردّدها مرة واحدة سأقول لك لا أستطيع تكذيبك، ولذلك ليس ما تقوله كلامًا علميًا، لكن ما دامت هذه قناعة تريحك نفسيًا فلتكن وعلى الرحب والسعة، ولكن أرجوك لا تطلق على هذه العبارة كلمة science، العلم ملاحظة واستنتاج وتجربة وتأكد من النتائج وقياساتها ثم وضع نظرية تثبتها الحقائق كل يوم، وإن لم تثبتها فيجب تعديلها أو تغييرها أو تركها نهائيًا لتفسير آخر ومحاولات أخرى.. وهكذا.

إذًا لم تخطئ فاتن أمل حربي في مراجعـة الداعية في أن ما قاله ليس علمًا مثل الفيزياء والكيمياء.

نقلًا عن «الوطن»

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى