رؤى

«ضَربَ اللهُ مَثلاً عَبداً مَملُوكاً»

الله تعالى نهى عن اكتناز المال وأمر بإنفاقه حتى لا يصبح صنمًا يتعبد الفرد في محرابه

د.محمود خليل
Latest posts by د.محمود خليل (see all)

الإسلام حرية والإنسان حر في أن يؤمن بما جاء من عند الله أو يكابر ويكفر به: «وقُل الحقُّ من ربِّكُم فمَن شاءَ فليؤمِن ومَن شاءَ فليكفُر».

وحين جعل الله قضية الإيمان به قضية اختيار قائم على الحرية فقد أراد أن يشعر الإنسان بحجم تفاهته عندما يُستعبد لبشر الأرض الذين خُلقوا مثله من طين ويجري عليهم ما يجري عليه من سنن الحياة والموت.

الإسلام حرية والإنسان حر في الاختيار

فالإنسان الذي تستعبده زوجة أو أولاد أو مال أو منصب أو وظيفة هو إنسان تافه، وقد تخلَّى عن حريته في الاختيار الذي قرره الله تعالى له، وجعله حقًا من حقوق الإنسان حتى في الإيمان به جلَّ وعلا: «قُل إنْ كان آباؤُكُم وأبناؤكُم وإخوانُكُم وأزواجُكُم وعشيرتُكُم وأموالٌ اقترفتموها وتجارةٌ تخشون كسادَها ومساكنُ ترضونَها أحبَّ إليكم من اللهِ ورسولِه وجهادٍ فى سبيلِه فتربَّصوا حتى يأتىَ اللهُ بأمرِه واللهُ لا يهدى القومَ الفاسقين» (التوبة : 24)..

أمر الله بالإنفاق حتى لا نصبح عبيدًا للمال

الله تعالى نهى عن اكتناز المال، وأمر بإنفاقه حتى لا يصبح صنمًا يتعبد الفرد في محرابه. فتراكم المال يتناقض مع ما يفترض في الإنسان من وعي بأنه كائن زائل يحيا حياة فانية، وأنه سوف يحاسَب في النهاية على كل جنيه دخل جيبه أو خزينته أو سكن تحت بلاطته: «وأَنفِقُوا مِن مَّا رَزَقْنَاكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِىَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِى إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُن مِّنَ الصَّالِحِينَ» (المنافقون : 10).

بل إننا نجد في القرآن الكريم تحقيرًا لقيمة المال كأداة لقيادة البشر. فالقيادة في الإسلام منوطة بالقدرة، وقد احتفى القرآن في هذا السياق بالقدرة العلمية: «قَالَ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ ۖ» (البقرة : 247)، وكذلك القدرة الجسمية -المفتولة من الأمانة- عندما يستوجب الموقع ذلك: «..إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ» (القصص : 26).

الإنسان حر في ممارسة العبادات

كذلك فأنت في صومك حر (سواء صُمتَ فى رمضان أو فى غيره). فعندما تتوقف عن الأكل والشرب وممارسة حياتك الطبيعية على مدار ساعات محددة فى أيام الشهر الكريم فأنت تتحرر من أن يستعبدك طعام أو شهوة أو عادة.

لذلك فإن الناس تستغرب من الحالة النفسية الجيدة التي ينعمون بها في الصيام، والمزاج المعتدل الذي يعيشون في ظلاله. والسبب في ذلك هو الإحساس بالحرية الذي يشعر به الفرد، فيؤدي إلى تحسن حالته النفسية واعتدال مزاجه العام.

من يسلم نفسه لغير الله يفقد حريته

أما الإحساس بالتوتر والقلق والإرهاق والمعاناة في غير ذلك فإنه يرتبط بالانخراط في دائرة الاستعباد للأسرة والمال، والجاه والمناصب، والطعام والشراب، والعادات وغير ذلك. والاستعباد لكل هذه العناصر يؤدي بالإنسان إلى مزيد من الإحساس بالعجز والإحباط، لأنه يسلم عقله ونفسه وجسده لغير الله فيفقد حريته.

فالعبد المملوك لمال أو لسلطة أو لزوجة أو لولد لا يقدر على شيء، بل هو مصاب بالعجز على طول الخط، على عكس الإنسان السوي الذي يعلم أن رسالة الإسلام هي دعوة للتحرير والتغيير: «ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً عَبْداً مَّمْلُوكاً لَّا يَقْدِرُ عَلَى شَىءٍ وَمَن رَّزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقاً حَسَناً فَهُوَ يُنفِقُ مِنْهُ سِراً وَجَهْراً هَلْ يَسْتَوُونَ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ» (النحل : 75).

نقلًا عن «الوطن»

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى