طاقة نور

قراءة في كتاب «الفتنة جدلية الدين والسياسة»

دراسة حقائق التغيرات الاجتماعية وتصورات القوى السياسية والدينية في الإسلام المبكر

يتناول كتاب «الفتنة جدلية الدين والسياسة في الإسلام المبكر» لمؤلفه هشام جعيط، الفتنة التي جعلت المسلمون يدخلون في دوامة من الأزمات والاضطرابات والحروب الضارية والانشقاقات السياسية والتي ما زالت حاضرة في الوعي الإسلامي كمرجعية.

ومن هذه النقطة همّ الكاتب بدراسة الحقائق في الأعماق، كما حاول معرفة ما الذي كان يسري تحت الفتنة؟ وما هي التغييرات الاجتماعية وتصورات القوى السياسية والقوى الدينية على السواء. وقد لجأ إلى ذلك في محاولة للتفهم والربط وسبر المنطق الذي حكم هذه الفترة المتشنجة والمتزعزعة القوى.

الفتنة جدلية الدين والسياسة

يقول المؤلف إن ما حدث من فتنة في النصف الأول من القرن الأول الهجري قاد أهل السنة فيما بعد إلى إضفاء القدسية على كل تلك المرحلة حين أعلنوا الخلفاء الأربعة كخلفاء راشدين وجعلوا قسما من عقيدتهم الاعتراف بهم جميعًا في سياق تعاقبهم على الخلافة: أبو بكر، عمر، عثمان، علي.

وهي ذاتها الظاهرة التي أدت إلى التشيع الذي لا يعترف إلا بعلي خليفة حقيقيًا رافضًا قبول الآخرين، وأدى إلى الخلاف السني الشيعي الذي نراه اليوم، كما أدى إلى بروز فرق أخرى كالخوارج المتواجدين في عُمان والجزائر وليبيا وتونس والذين لا يعترفون إلا بخلافة الشيخين أبي بكر وعمر قبل الفتنة، وتركيز السنة على فترة حكم الخلفاء وربطها بعهد النبوة أحاطها بهالة روحانية جعلت «الحكم الحقيقي» في المخيلة الجماعية والنموذج المحتذى هو حكم الخلافة الراشدة.

فهم جذور الجدل بشأن الخلافة

وليس الكتاب الذي بين أيدينا كتابًا في التاريخ فحسب وإنما هو إعادة قراءة بغرض فهم جذور الجدل والسجال الذي لا يزال قائمًا وبخاصة منذ إلغاء مصطفى أتاتورك الخلافة عام 1924 وهو جدل له علاقة بعلمنة السياسة والدولة ولا يزال يشق الوعي الإسلامي الحديث إلى شقين..

كما يقول المؤلف: أنصار علمانية الدولة وأتباع إسلاميتها. والتي دفعت الشيخ علي عبد الرازق في العشرينيات من القرن الماضي إلى تأليف كتابه «الإسلام وأصول الحكم» الذي أراد فيه البرهان على كون الخلفاء الأربعة الأوائل قد تولّوا حكمًا سياسيًا خالصًا، لا علاقة له بالديني، إذ أن الديني يُحدَّد بوصفه علاقة بالله وقد انتهت هذه العلاقة مع انتهاء الوحي ووفاة النبي عليه الصلاة والسلام.

ولم ينقطع هذا السجال حتى يومنا هذا، إذ يُرجع القائلون بعلمانية الدولة إلى تلك المرحلة (مرحلة الفتنة) لينفوا عن الخلافة (ما بعد الشيخين) طابع الهداية الدينية وبالتالي تسويغ أطروحة علي عبد الرازق وتبرير أطروحتهم.

وفي الاتجاه المعاكس يقف دعاة الإسلام السياسي معلنين أن الإسلام لابد أن يسوس العالم ويقدمون قراءتهم المغايرة.

علاقة الفتنة بالصراعات السياسية

من هنا ركّز الكتاب على فترة الفتنة وطرح جملة من الأسئلة وسعى للإجابة عليها: هل كانت بواعث الفتنة لها علاقة بصراعات سياسية أم دينية؟ هل كان الأمر متعلقًا بمطامح من هذا الطرف أو ذاك بغية الاستيلاء على الحكم أم كان متعلقًا بانفعالات دينية خالصة؟

ويخلص المؤلف إلى أن إجابة كل سؤال من هذه الأسئلة يعتمد على المرحلة التي تطورت إليها الفتنة؛ فالمقاتلون القارئون للقرآن كانوا يظنون أن قتالهم إنما هو في سبيل تطبيق أحكامه. بينما كشف معاوية في المرحلة الأخيرة من القتال عن مطامحه للوصول إلى الحكم. كذلك فإن عليًّا كان يدافع عن شرعية خلافته باسم سابقته في الإسلام، أي أنه كان ينافح عن سلطة سياسية باسم مقولات دينية.

ثم يختم المؤلف هذا الجزء من حديثه عن طبيعة تلك المرحلة بالقول إن السياسي والديني قد امتزجا معًا. فالأمة آنذاك قد قامت على أساس دعوة دينية اسمها الإسلام وأصبح كل من المتنازعين له تأويله الخاص لما هو ديني بغرض توظيفه سياسيًا. فالخوارج (القراءون) قتلوا عثمان اعتقادا منهم أنهم يطبقون فيه حكم الله بعد أن سار في الأمة على ما يخالف هدي القرآن وسيرة النبي وسلفيه أبي بكر وعمر، ثم بعد مقتله لم يكن لديهم تصور عن شكل وطبيعة نظام الحكم من بعده ولا المخاطر والتهديدات المحيطة به فأيدوا في البداية عليًّا ثم وقفهوا ضده وشكلوا حرب سياسي ديني كأول حزب سياسي ديني في الإسلام وهو حزب الخوارج.

القوى المتصارعة

وعلى الجانب الآخر كانت تقف قوى تاريخية أخرى متمثلة في معاوية وأتباعه في سوريا. فقد كان –كما يقول المؤلف- يحارب هو أيضًا في سبيل فكرة مقنَّعة بحجاب الدين إذ لم يكن ثمة من يقاتل خلال الفتنة من أي من الأطراف المتصارعة دون معتقد أو قناعة. وقد سارت الأمور على النحو التالي:

– القرَّاء (الخوارج) يقتلون عثمان الخليفة الثالث ويعلنون تأييدهم لعلي خليفة رابعًا مثل أغلبية الأمة ثم ينقلبون عليه بعد أن قبل بالتحكيم.

– عائشة أرملة النبي تثور مع الصحابيين البارزين طلحه والزبير ضد عليّ مطالبين بالثأر لعثمان ثم ينهزموا أمام علي.

– معاوية يدخل على الخط باسم المطلب عينه (الثأر لمقتل عثمان).

– لخوارج يغتالون عليَّا والأمة تزداد انقسامًا.

– معاوية ينتصر في نهاية المطاف وينتقل الحكم إليه وإلى عائلته.

الخلافة التي أصبحت ملكًا متوارثًا دون رقيب

أي أن قضية عثمان – يقول المؤلف – فازت في النهاية لكن المفارقة الأدهى والأشد أن النصر الذي حققه الفريق الذي رفع راية الثأر لعثمان قد انقلب عليهم وعلى الإسلام والمسلمين؛ فالخلافة التي ثار الخوارج لإصلاحها مما اعتراها في النصف الثاني من خلافة عثمان قد آلت إلى معاوية والأمويين وأصبحت ملكًا متوارثًا يفعل الحكام في أموال الأمة ما يشاؤون دون حسيب أو رقيب.

وكان ذلك على حساب علي ابن الإسلام المحض الذي لا تقارن أحقيته بالخلافة لسابقته في الإسلام وتقواه وورعه بمعاوية وأولاده.. الأمر الذي أوجد بذورًا لمطالب ومنازعات ظلت كامنة تنتظر الظهور في موجات من التشنجات لم تنته. وهذا لا ينفي ما قام به بنو أمية في دولتهم من توسعة لحدود الإمبراطورية الإسلامية وإرساء قواعد الحضارة الإسلامية ومرتكزاتها.

وربما الفائدة التي سيخلص إليها قارئ هذا الكتاب الذي بلغت صفحاته 337 صفحة والصادر عام 1991 عن دار الطليعة في بيروت، أنه عقب الفراغ منه سيتسلح بأدوات منهجية تفيده ليس فقط في فهم ما جرى في الماضي وإنما في سبر أغوار ما يعتمل في مجتمعاتنا من أفكار أقعدتنا عن النهوض المنشود حتى الآن.

سيعيد القارئ النظر في الهالة التي وضعها المؤرخون القدامى حول الإسلام والجهاد والخلافة والفتوحات وحول الشخصيات الفاعلة في تلك الأزمنة.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى