أخطاء شائعة

كتاب يكشف خدعة الدولة الدينية

الصراعات بين الطوائف والمذاهب في حقيقتها صراعات على السلطة والاستمرار في الحكم

الصراعات التي تتخذ مظهرًا دينيًا بين الطوائف والمذاهب وحتى بين الدول، هي في حقيقتها صراعات على السلطة والاستمرار في الحكم وسعي إلى تثبيت أو تغيير موازين القوى السياسية.

لذلك يمكن اعتبار الدعاوى الدينية للأحزاب والطوائف الدينية ما هي إلا أغلفة لتزييف الأهداف الحقيقية التي يسعى إليها كل طرف، والتي لا تخرج عن هدف السلطة والسيطرة السياسية والاقتصادية.

تناول الكاتب اللبناني والباحث في الشؤون السياسية خالد غزال، بالبحث والدراسة هذه الصراعات في كتابه «من الدين إلى الطائفة في ضرورة الدولة المدنية».

أسباب الصراعات والانقسام

يشير المؤلف إلى أن الصراع الملاحظ في العالم الإسلامي بين المذاهب والتيارات الدينية، وتزايد تأثير قوى العنف والإرهاب تثير تساؤلات جدية حول الأسباب الفاعلة في هذه الظاهرة.

وإن كان التأثير الخارجي، سواء في صورته المباشرة أو في صورته الخفية.. قد يكون من بين العوامل المساهمة في انتشار التطاحن الديني، فإن عوامل بنيوية دينية وثقافية وتاريخية واقتصادية واجتماعية، لا يمكن إغفال تأثيرها في هذا الصدد.

ويضيف، والأمر ليس بالمستحدث، إذ إن مثل هذه الممارسة تعد جزءًا من التاريخ الواقعي للأديان الكبرى اليهودية والمسيحية والإسلام.

يرجع المؤلف الانقسامات التي تعرفها الديانتين المسيحية والإسلامية إلى جملة من الأسباب الواقعية والتاريخية يقسمها إلى نوعين:

أولاهما الأسس اللاهوتية: المتمثلة أساسًا في الاختلاف حول تفسير وتأويل النصوص الدينية بين المجتهدين والمفسرين؛ فبالنسبة إلى الدين المسيحي عرف تطبيقه اختلافات كبرى ارتبطت بالواقع من جهة.

وبالتيارات الفكرية والفلسفية السائدة في كل مرحلة تاريخية من جهة أخرى، والتي ساهمت في بروز مذاهب وطوائف دينية منقسمة ومتباينة، كل طائفة بلورت (منظومة إيديولوجية) تعزز بها موروثها الديني واختلافه عن باقي الفرق الدينية الأخرى.

الخلافات السياسية بين المسلمين

في الإسلام، يشير المؤلف إلى أن نجاح الرسول في نشر دعوته، وتوحيد القبائل وتجاوز صراعاتها العصبية، استمر بشكل واضح في حياته، وانهار بعد وفاته، حيث عادت الخلافات التي اتخذت طابعا دينيا في البداية لتتطور إلى خلافات سياسية بين المسلمين.

وأضاف، وقد شكل الصراع على الخلافة؛ والصراع على جمع المصاحف وتكريس مصحف واحد؛ والصراع على الحديث النبوي بين الطوائف ورفض كل طائفة لأحاديث الأخرى، والصراع على الموقف من الصحابة…

أهم مظاهر الصراع التي حكمت تاريخ الإسلام منذ وفاة الرسول إلى العصر الحديث.. والتي ستتخذ طابعًا سياسيًا واقتصاديًا.

وتشددت أكثر في ظل الصراع على السلطة السياسية والاستيلاء عليها والسعي إلى فرض مشروعية مستمرة مستمدة من المصادر الدينية كالاعتماد على النسب الشريف، والدفاع عن مذهب ديني، وتبني ألقاب دينية.

تحول الخلافات المذهبية إلى حروب

غير أن هذه الاختلافات المذهبية التي تحولت بفعل العوامل السياسية والاقتصادية والاجتماعية إلى حروب طاحنة بين مذاهب الدين الواحد، لم يكن لها لتنتشر وتتوسع لولا حمل النص الديني في الديانات التوحيدية لشرعنة العنف وجعله تشريعا.

ذلك أن الكتب الدينية اليهودية والمسيحية والإسلام، كلها تتضمن نصوص تدعو بشكل صريح إلى العنف، وضرورة استخدامه لنشر الدين التي شكلت مرجعية للطوائف والمذاهب في صراعاتها الدموية المتجددة، سواء مع الآخر أو مع باقي الطوائف الأخرى، وأحيانا حتى داخل الطائفة الواحدة.

كما أن الصراعات الدينية في الإسلام، كحروب الردة، وحروب الخوارج، وحروب علي ومعاوية، والاغتيالات ضد الخصوم.. لم تكن دينية محضة، بل كانت سياسية وقبلية في العمق.

حيث وظف الحكام والطوائف الدينية كالخوارج والسنة والشيعة النص الديني لتبرير أساليبهم في التعامل مع الفئات المختلفة من أجل الوصول إلى السلطة والاستيلاء عليها أو معارضتها بالقوة.

وهو التبرير الذي استمر في الصراعات الدموية الحديثة في العالم الإسلامي، وما توظيف آيات الجهاد في اتجاهات مختلفة من طرف القوى الدينية- السياسية إلا أحد المظاهر الدالة على ذلك.

 أسطورة الدولة الدينية

إن الدولة الدينية التي تدافع عنها الكثير من الطوائف الدينية ورجال الدين والفقهاء، لم تقم في أي مكان، بل هي فكرة إيديولوجية سيقت بعناية نظرية، ودعمت بنصوص دينية سميكة من أجل الحكم وإخفاء السلطة الأوتوقراطية الدكتاتورية.

وهذا ما ينطبق على جميع الأديان؛ فإسرائيل دولة عنصرية واستعمارية وظفت نصوص توراتية لخدمة إدعاءات الصهيونية؛ والمسيحية وتاريخها عبارة عن صراع متجدد بين السلطة الدينية والسلطة الزمنية.

وحتى في ظل تفوق السلطة الدينية، لم يكن الأمر إلا هيمنة لرجال الدين وتبرير خرافاتهم وتجاوزاتهم تجاه الأفراد والشعوب.

ولا يخرج التاريخ الإسلامي عن هذه القاعدة، إذ إنه بالرغم من دفاع بعض الفقهاء والمذاهب على أن الإسلام دين ودولة، فإن الثابت تاريخيا، أن الدولة لم تكن دينية إسلامية، وإنما كانت سياسية وسلطوية ودنيوية، اتخذت فيها الأسر الحاكمة النصوص الدينية وسيلة لشرعنة حكمها.

الأمر الذي يتجدد بصورة مختلفة في الوقت الحاضر، سواء تعلق الأمر بالأنظمة القائمة التي تدعي تمثيلها لدولة إسلامية كإيران، أو بالنسبة لترهات (داعش).

الدولة المدنية

وإذا كان قيام دولة دينية مستحيلًا، لاسيما في الوقت الحاضر الذي تزايد فيها التداخل بين ماهو سياسي واقتصادي وثقافي وديني، وباعتبار ممارسة السلطة والحكم قضية زمنية نسبية وليست إلهية مطلقة.

فإن البديل الواقعي عن فكرة الدولة الدينية، هو الدولة المدنية التي أثبتت نجاعتها في حماية معتقدات الناس وتدينهم، وضمان حريتهم في ممارسة الشعائر الدينية، وضمان التعايش بين مختلف الطوائف والمذاهب الدينية.

فالدولة المدنية نتاج للتطور السياسي الحديث، قائمة على الفصل بين الدين والسياسة، باعتبار الأول مجال المطلق والثاني مجال النسبي خاضع للتجريب والخطأ كما الصواب.

وعلى المواطنة الحقة الضامنة لحقوق وواجبات متبادلة بين الدولة والمجتمع، أساسها تمتع الأفراد بجملة من الحقوق السياسية والاقتصادية التي تسمحلهم بالمشاركة الفعالة في المؤسسات والقرارات، والاستفادة من خيرات الدولة المادية بشكل متساوي، وتقاسم الأعباء.

والفصل بين السلطات السياسية بشكل يمكن من إيقاف كل سلطة للسلطة الأخرى، والانضباط لحقوق الإنسان نصا وممارسة من طرف الدولة ومؤسساتها..

تسمح بتعزيز التسامح والمرونة، وتوفير مقومات التعايش والمساواة بين الفئات الاجتماعية والمواطنين لا أفضلية لفئة على أخرى

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى