رؤى

كيف أصبح الخطاب الديني علاقة دامية مع الآخر؟

تراث العنف الذي استندت إليه التيارات السلفية يدعو إلى الإقصاء والاستبعاد لكل مختلف

د. سامي عبد العال
Latest posts by د. سامي عبد العال (see all)

التطرف الديني هو المستوى الظاهر من أيديولوجيا العنف، الذي يسرطن أجواء التسامح وخطابه إنْ وجد.

بل يعيد تشغيل العنف المضمر في الخطابات الدينية الراهنة، حين تستند إلى تراث العنف وبخاصة نصوص التيارات السلفية التي أدت أدواراً في الطرح الإيديولوجي للعقائد.

إذ تحول الخطاب الديني إلى علاقة دامية مع كل آخر بأطيافه العقدية، فهي نصوص تجري بناء على مواقف الإقصاء والاستبعاد.

تراث العنف والموقف العدائي من الآخر

وكأنَّ المسلمين لن يكونوا كذلك متمسكين بدينهم دون اتخاذ مواقف عدائية من آخر ما، سواء أكان الشيطان أم المجتمعات أم الآخر المغاير (شيطنة أصحاب الديانات).

هكذا يجسد التشدد الديني مظاهر العنف عبر تحديد العلاقة العقدية مع الآخر المتنوع.

لقد تم إحياء الكراهية بإغلاق منافذ الحوار والاعتراف بالآخر، هناك من رجال الدين الذي اعتبر أنَّ الاختلاف قيمة سلبية دافعة للانقسام والتناحر، وتمثل خطراً على فكرة (الجماعة) التي حثَّ عليها الإسلام.

هكذا فُسر الحديث الوارد عن رسول الاسلام (من بدل دينه فاقتلوه…) بخلاف الحقيقة وهي أن المرتد المبدل لدينه كان موقفاً سياسياً وكانت عقوبة قتله سياسية أيضاً.

لأن حد الردة غير موجود لا في القرآن ولا في الاسلام من حيث المبدأ. أي كان المرتد مرتداً عن الجماعة السياسية التي يفترض منها «تمتين الصفوف وتنقيتها» و«إشهار كلمة الدين السائد» و«تأكيد الإجماع».

حيث انتشرت أفكار «التعالي الديني» religious transcendentality و«المركزية العقدية» dogmatic centrism، و«الاحتقار» لبقية العقائد.

الموروثات الدينية تتحكم في العامة

حالة العداء هذه داخل التمثل الديني religious representation للآخر شوهت الحرية والمواطنة والتعايش وقبول المغاير، كانت مفاهيم غريبة (دخيلة) على الموروثات الدينية التي تتحكم في سلوكيات الناس العاديين.

وجراء ذلك ظهرت سمة التشدد في مجمل ثقافتنا الجارية وليس فقط في الخطاب الديني، وهي سمة مؤسسة بأطر الحقيقة والمعنى والتاريخ والفكر وشكلت امتداداً لها حتى الآن.

فالإنسان العادي في مجتمعات العرب يمثل حاشية خفية لجماعات الإرهاب، لا بالمشاركة في الأحداث، لكنه بمثابة الظهير الشعبي بسبب رسوخ المعتقدات العنيفة حول الحياة. إنَّ هناك تضامناً مشتركاً بين الإرهابيين والدهماء نتيجة تاريخ الثقافة الحاملة للبذور نفسها.

لدرجة أن هذه الثقافة تحدد من تصح عليه الرحمة أو اللعنة ومن هو الكافر والمؤمن، ومن هو القريب والبعيد ومن هو المقبول عند الله ومن هو المذموم في كتابة سيناريو إسلامي قديم «لصكوك الغفران» indulgences  ضمن الحياة اليومية.

الدين الشعبي

يعدُّ الدين الشعبي أكثر عنفاً من الأيديولوجيات الصريحة للأسباب التالية:

1-      أن المعتقدات الشائعة مشبعة ببذور العنف الخفي( المتحول أو الموروث).

2-      غياب الوعي الناقد، بدليل التصديق الساذج لكل ما يُقال وما يتم استعماله في أفكار دينية.

3-      انتشار مناخ التقاليد والأعراف والخرافات دون غربلةٍ لما هو حقيقي وغير حقيقي.

4-      الاستعمال السياسي المستبد للجماهير مما يجعلهم رصيداً فارغاً من المعنى للإرهاب والعنف.

5-      انتشار نزعات التقديس بدءاً من العائلة وليس انتهاء بالأضرحة والشيوخ مما جعل الأفكار العادية محل تقديس هي الأخرى.

6-      غياب الثقافة العلمية في التفكير ومعالجة المشكلات وجاءت الثقافة الأصولية بديلاً عنها وزاحمت الأفكار العنيفة كلَّ انفتاح ممكن.

هذا التطرف سواء أكان من جماعات الإرهاب أم من الثقافة الشعبية، وضع مجتمعاتنا العربية على حافة الهاوية.

وبات المغاير محلاً لتصفية الاحتقان والكراهية، ولذلك ليس هناك من قيم ثقافية أو معرفية تقوم على النسبية في النظرة إلى العالم والحياة.

وأكثر من هذا فقد ضاعت اجتهادات الأفراد في إبداء قيمة التسامح مع الآخر المختلف، لأنها بالنهاية مسائل خاصة لا تؤثر في المناخ العام.

بينما صُلب المجتمع ظل بمنأى عن التأثر كما لا يوجد فضاء للإنسان القادر على إبداء أفكاره الحرة.

مما رسّخ سيادة النمط الواحد عيشاً وفكراً، واختفى تنوع العقول والمعارف اللازمة لنهضة المجتمعات.

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى