رؤى

كيف نحمي الشباب من التطرف؟

الإنسان الذي أتيح له أن يتعرف على ثمار الإنسانية على مر العصور لا يمكن أن يكون أصوليًّا

كنت في خضم حوار محتدم حول ما يسمى بالأصولية أو التطرف الديني عندما توقف ذهني عند عبارة قلتها، وهي أنني لم أر خلال أكثر من ثلاثين سنة من الاهتمام بالثقافة والفكر والعلوم الإنسانية إنسانًا واحدًا رحب الثقافة وعميقها ومتطرفًا في آن واحد.

فالواقع أن الإنسان الذي أتيح له أن يتعرف على ثمار الإنسانية على مر العصور لا يمكن أن يكون أصوليًّا أو متطرفًا..

بمعنى أن الإنسان الذي ألم بشكل جيد بآثار الحضارة الإغريقية/ الرومانية مثل أشعار هوميروس ومسرح اسخيلوس ويوريبيدوس وأرستفان وسوفوكليس والآثار الفلسفية لأرسطو وأفلاطون، وأفكار سقراط وديوجين وغيرهما.

الثقافة وقاية من الفكر المتطرف

والإنسان الذي وقف على آثار الحضارة الإسلامية سواء كانت من قبيل الأعمال الشعرية أو كانت من الأعمال الفكرية لعمالقة مثل الفارابي وابن رشد وابن سينا والرازي .. والإنسان الذي قرأ كل أو بعض آثار شكسبير راسين وفولتير وروسو وموليير وديكارت وكانط وهيجل ونيتشه وجوته وفلوبير وإبسن وتولستوي وتشيكوف وكامو وسارتر وهيمنجواي وفوكنر، وعشرات غيرهم.

والإنسان الذي ألمّ بقسط وافر من التذوق للفنون التشكيلية وفنون الموسيقى والأوبرا. إن إنسانًا على هذه الشاكلة لا يمكن أن يكون متطرفًا أو متعصبًا ناهيك عن أن يكون أصوليًّا بالمعنى المتداول الآن.

والدليل الأكبر على صدق هذه المقولة هو «الواقع»، فأين هو بين جميع المتطرفين أو الأصوليين مَن يمكن وصفه حسب الاستعراض السابق بوصف المثقف الكبير؟

والمعنى الذي أقصده هو فائدة الاهتمام بتوسيع رقعة الثقافة وتنشيط عملية التثقيف في مجتمع من المجتمعات، بمعنى إثراء الحياة الثقافية- فهذا هو الأمر القادر على إيجاد مناخ لا يسمح لأفكار التطرف والعنف والرأي الواحد بالذيوع والشيوع.

تأثير الظروف الاقتصادية والاجتماعية

ولا يقلل من أهمية هذه النظرة أن يقول البعض: وماذا عن الظروف الاقتصادية والاجتماعية؟

وأنا لا أملك أن أقلل من أثر هذه العوامل لا سيما وأنني قد أصدرت خمسة كتب تدور كلها حول محور الإيمان بالدور الخطير للظروف الاقتصادية والاجتماعية في إيجاد مناخ عام يسوده الاتزان أو الخلل.

وهنا فإنني لا أعني الفقر بالمعنى البسيط والمباشر، وإنما أعني الشعور بعدم العدالة واستفحال الشعور بالخلل. تلك قضية أخرى لا تتعارض مع القول بأن تنشيط المناخ الثقافي وإثراء الحياة الثقافية وإتاحة الفرصة للشباب للتعرف على ثمار العقول والمذاهب الإنسانية على مدى مسيرة الحضارة البشرية، هو أمر بالغ الأهمية وعنصر فعال في عملية خلق مجتمع مدني مزدهر.

ظلمات الفكر والحالة الاقتصادية

كانت هذه الكلمات خلاصة ما دار في حوار بيني وبين عدد من الشباب، ولا أجد كلمات أفضل مما قاله شاب في تعليقه على قولي بأن العوامل الاقتصادية والاجتماعية – على أهميتها – ليست هي العنصر الوحيد الفعال والقادر على حماية مجتمع من السقوط في ظلمات الفكر المخاصم للعصر ولموجات وثمار مسيرة الحضارة الإنسانية.

قال هذا الشاب المستنير: لو أن الوفرة الاقتصادية وارتفاع مستوى دخول المواطنين كانت هي المسألة الحاسمة في هذا الشأن لما انتشر كل هذا الظلام الفكري وروح التقهقر والجمود والنصية المقيتة في عدد من الدول القريبة منّا تجلس على أكثر من نصف احتياطيات العالم من البترول، ويبلغ فيها متوسط دخل الفرد مثيله في عدد من الدول الأوروبية..

ملاحظة عبقرية من شاب واعد جديرة بالمراجعة والنظر والتأمل ممن يظنون أنه بتحسين الظروف المعيشية (فقط) نكون بمأمن من أفكار الظلام.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى