طاقة نور

كيف نخرج من حالة التمزق والتشتت؟

الجزء الأول من سلسلة «ومضات على الطريق» (2)

«دراسات ومشاريع حلول لمواجهة المستقبل العربي»، هو عنوان الجزء الأول من سلسلة «ومضات على الطريق»، والتي تعتبر من أهم إصدارات «مؤسسة رسالة السلام للأبحاث والتنوير»، صدرت  في ستة أجزاء، لمؤلفها المفكر العربي علي محمد الشرفاء الحمادي.

يتضمن الجزء الأول من السلسلة مجموعة من الدراسات ومشاريع الحلول قاسمها المشترك أنها قومية المضمون؛ بمعني أن بعض الأفكار وإن كانت موجهة إلى دولة عربية بالذات إلا أنها تنطبق على كل الدول العربية.

الخطوط العريضة لمشروع القومية العربية

إضافة إلى دراسات متعلقة بجامعة الدول العربية وأخرى متعلقة بمؤسسة القمة العربية، وهذا ما يجعلها مواضيع عربية عامة.

مؤلف هذا الكتاب، الأستاذ علي الشرفاء الحمادي، يهدف من خلال إيهاماته الفكرية إلى وضع الخطوط العريضة لمشروع القومية العربية وإيجاد منظومة سياسية واقتصادية وعسكرية قادرة على تحقيق التطوير في الوطن العربي، والقدرة على مواجهة المستقبل وتنمية قدراته في المجالات الاقتصادية والعسكرية والعلمية حتى تتحقق النتائج المرجوة، وتعود فوائدها على المواطن العربي في مختلف أرجاء العالم.

سنعرض أجزاء السلسلة في حلقات متتابعة لأهمية محتواها ولتيسير الاطلاع عليها، ونبدأ بمقدمة الجزء الأول  «دراسات ومشاريع حلول لمواجهة المستقبل العربي» من سلسلة ومضات على الطريق.

العلاقات العربية

لقد دخلنا القرن الجديد، وعلينا أن نعود إلى أسلوب الحوار المنطقي والهادئ الذي دعانا إليه الرسول الأعظم ، حتى نستطيع أن نخرج من حالة التمزق والتشتت ونتحرر من الحلقة المفرغة والمفزعة . فكيف يمكن ذلك؟

أولًا: لابد من وضع ميثاق جديد تتحدد فيه العلاقات العربية بأسلوبٍ واضحٍ وملتزمٍ، مع تحديد صريح لواجبات كل دولة عربية وما يرتب لها من حقوق وما عليها من التزامات في وقت السلم، وكذلك في وقت الاعتداء على أحدها من خارج المجموعة العربية.

ثانياً: وضع إطار لأسلوب التعامل فيما بين الدول العربية على أساس الاتصال المباشر والحوار المستمر لإنهاء أي خلاف. وأن تتم معالجته بالسرعة التي تجعل الأمر محصوراً بين القادة، منعاً لأية تداعيات تنعكس سلباً على الشعوب وتزيد من ابتعاد هذه الأمة عن أهدافها فتساعد أعداءها على استغلال أية نقطة ضعف فيها.

ميثاق الجامعة العربية

ثالثاً: إعادة النظر في ميثاق الجامعة العربية، لتفعيلها وإعادة هيكلتها بحيث تكون لديها القدرة على تحمل مسؤوليات الألفية الجديدة ومايتطلبه من مؤهلات وإمكانيات وسياسات تستوعب متطلباته وذلك كما يلي:

  • يكون تعيين الأمين العام للجامعة دورياً وحسب الحروف الأبجدية للدول العربية والنظام المتبع في الجامعة على أساس ثلاث سنوات فقط لا تجدَّدُ. وبذلك تتاحُ الفرصةُ لأمين آخر وبالتسلسل الأبجدي أيضاً لتأخذ كل دولة عربية فرصتها بأسلوب يضمن عدالة التناوب لمنصب الأمين العام.
  • تشكيل محكمة عربية يتم اختيار إحدى الدول العربية مقراً لها ويختارُ القضاةُ على أساس أن ترشح كل دولة عربية قاضياً، ويتم تعيين خمسة قضاة للمحكمة بواسطة القرعة حيث تجري بين الأعضاء المرشحين على أن يعاد الترشيح كل خمس سنوات.
  • تنظر المحكمة في القضايا الخلافية بين الدول العربية وترفع حكمها إلى مجلس الجامعة للمصادقة عليه، ويكون الحكم ملزماً لكل الأطراف بتطبيقه.

مجلس الأمن القومي العربي

  • إنشاء مجلس الأمن القومي العربي، ويشكل من قادة القوات المسلحة في الدول العربية، وترتبط به أمانة خاصة مقرها في الجامعة العربية ويكون المجلس مسؤولاً عن تنفيذ ما يلي:
    • وضع النظم والإجراءات الكفيلة بتفعيل معاهدة الدفاع المشترك والموقعة من قبل الدول العربية .
    • تحقيق الاتصال بالقيادات العسكرية في الدول العربية والقيام بالتنسيق فيما بينها .
    • ترتيب التعاون بين القوات المسلحة في الدول العربية مع بعضها البعض بواسطة إجراء المناورات السنوية ضمن برنامج معد لذلك لكي يتمكن كل فريق من التعرف على نوعية السلاح عند الفريق الآخر، وتوحيد المصطلحات العسكرية إلى حين يتم التوصل إلى تحقيق وحدة كاملة في النظم والمعلومات والتواصل المستمر عن طريق تبادل الخبرات العسكرية بين الدول العربية.
    • وضع الخطط اللازمة لاتخاذ أية إجراءات عسكرية تتطلبها المصلحة القومية سواء كانت للدفاع عن دولة عربية تعرضت للعدوان، أو التدخل لمنع الاشتباك بين دولتين عربيتين حدث بينهما خلافٌ قد يؤدي إلى صدامٍ وبذلك نمنع العديد من الكوارث كانت قد حدثت في القرن العشرين.

بنك عربي

رابعاً: إنشاء بنك عربي رأس ماله لا يقل عن خمسين مليار دولار، على أن تكون مهمته تصحيح الهياكل المالية في الدول العربية، وتطوير إمكانياتها الاقتصادية حتى تستطيع الخروج من الكبوة الاقتصادية، على أساس رسم واتباع خطة خمسية تأخذ في الاعتبار الدول التي لديها امكانات وثروات يمكن استثمارها وتحقيق مردودٍ اقتصاديٍ في وقت لا يزيد عن خمس سنوات، على أن يكون أداء البنك وسياسته التنفيذية تعتمد على الدراسات الاقتصادية، حتى يستطيع معالجة الخلل المالي تباعاً في الدول العربية، مما يعني بأن الأمة العربية إذا استطاعت أن تضع الآليات العلمية العامة وتسخر فوائضها المالية في خدمة الاقتصاد العربي فإنه سيتحقق لها ما يلي:

  • تكون الاستثمارات العربية في مأمن من التجميد أو المصادرة أو التلاعب، كما حدث من أمثلة كثيرة الكل يعلمها، عندما قامت الولايات المتحدة بتجميد أرصدة الجمهورية الليبية.
  • المردود المالي على الاستثمار العربي يكون مضمون الفوائد ويفوق ما تحصل عليه الاستثمارات العربية في الدول الغربية من فوائد هزيلة، وأحياناً فقدان رأس المال في الاستثمارات الدولية.
  • تَمَلُّك الاستثمار العربي مشاريع حقيقية منتجة وأسواقها موجودة في الدول العربية ، ولو علمنا بأن الدول العربية تستورد من الخارج سنوياً ما قيمته اكثر من 65 بليون دولار في حقل الغذاء كان يمكن أن توجه تلك المبالغ للمنتج العربي وتكون عاملاً في ازدهار المجتمعات العربية المنتجة.
  • سوف تتحقق للدول العربية التي تواجه صعوبات في تمويل مواردها الطبيعية استفادةً عظيمةً في تطوير ثرواتها وتحقيق أهدافها في التنمية وتوفير فرص العمل مما يساعدها على الاستقرار والنمو ويمنع عنها الهزات السياسية والانقلابات العسكرية.

مكتب الدراسات الاقتصادية

كما يتم إنشاء مكتب للدراسات الاقتصادية يتبع البنك للقيام بدراسة الأوضاع الاقتصادية، وإعداد خطة كيفية استغلال الموارد الطبيعية في الدولة التي يتم الموافقة على تقديم الدعم المالي لها. وعلى سبيل المثال فان جمهورية السودان التي يتوفر فيها مليون فدان، فإنها قادرةٌ على أن تمد العالم العربي بالغذاء، وتحقق له الأمن الغذائي.

ويستطيع البنك إعداد مشروع طموح لاستغلال ذلك وما يمكن أن يعود على السودان من نتائج اقتصادية كفيلة بحل مشاكله المالية، وتوفير فرصٍ للعمل قد تتجاوز عشرات الآلاف، مما يتيح لأبناء السودان حل مشكلة البطالة ويحولهم إلى طاقة منتجة .

وهكذا يستطيع السودان أن يخرج من مشاكله الاقتصادية ويعتمد على نفسه. وبنفس الأسلوب يتوجه البنك لدراسة اقتصاديات دولة أخرى والنهوض بثرواتها واستغلالها. مما ينتج عن ذلك أنه في غضون خمسة وعشرين عاماً أو تزيد قليلا تكون الدول العربية قد تعافت من أزماتها الاقتصادية واستغلت ثرواتها الطبيعية التي تبحث عن التمويل المالي، علاوة على الربح الذي سيتحقق للأموال التي قام باستثمارها البنك.

الصراع الاقتصادي

خامساً: نظراً للتطورات الاقتصادية المتلاحقة في عصرنا الحاضر، وانتهاء صراعات ومواجهات معسكرات القوتين الشرقية والغربية، فإن هذه التطورات والتغييرات قد فرضت أسلوباً جديداً في صراع البقاء، ألا وهو ما أسميه (الصراع الاقتصادي) والذي اعتبره – في رأي المتواضع – أشرس وأخطر أنواع الصراع في الحاضر والمستقبل، لان هذا الصراع سيكون متمثلاً في صدام قدرات اقتصادية ذات إمكانيات تخطيطية وأساليب تسويقية، تعتمد أساساً على نوعية الإنتاج والسعر المنافس وسرعة الحركة ومرونتها، والتكِّيف مع متطلبات السوق بكل الأخلاقيات والقيم الجديدة التي تسوده في الوقت الحاضر، وصولاً إلى هدف رئيسي وهو ضخ أكبر كمية من الإنتاج إلى أسواق جديدة.

ذلك الأمر يتطلب تخطيطاً بعيد المدى تشارك فيه جميع الفعاليات الاقتصادية سواء كانت حكومية أو شبه حكومية أو القطاع الخاص، بناء على استراتيجية شاملة تستهدف في النهاية زيادة الإنتاج الذي من شأنه إتاحة الفرص لتشغيل أكبر عدد ممكن من أبناء الوطن العربي، وبالتالي يحقق مردودهُ الاستقرار في الدولة، ويصبح كل فرد له دورٌ في تسيير عجلة التطور والتنمية.

اتفاقية الجات

إن اتفاقية (الجات) ستفتح مجالاً واسعاً من التنافس والغزو السلعي اللامحدود، لأنها أعطت الحرية للسوق وللعرض والطلب، وهذا أساس التعامل في النظام الدولي الجديد، فالقضية لابد أن تؤخذ بمأخذ الجد، حيث ستكون السيادة للقوي في الساحة الاقتصادية وبينما يتراجع الضعيف، وتصبح الأسواق أسواقاً استهلاكية، وما سيترتب عليه من أعباء خطيرة منها ما سيسببه من تفشي داء البطالة وما يشكله من أعباء على الدولة، وبالتالي تضطر الدولة إلى أن تضحي بأغلى ما عندها من مخزون استراتيجي وثروات طبيعية ، فتبيعها مرغمة بأقل الأسعار حتى تتمكن من مواجهة مواقف عسيرة لم تعّد لها العدة من قبل، ويستمر التراجع والتخلف الاقتصادي إلى مدى لا يعلمه إلا الله.

هنا يتضح أنه لا بد من وضع خطة مستقبلية تستوعب كافة الطاقات الاقتصادية وتوظيفها توظيفاً علمياً سليماً، وبنظرة شمولية وحيادية إلى كافة قطاعات المجتمع، والتي تؤدي في النهاية إلى أنه: إما أن يكون المجتمعُ فعالاً كل فرد فيه له دوره في التنمية، وأما أن يتحول إلى طاقات معطلة مبددة، ويتراجع التفكير الشمولي ليصبح تفكيراً محدوداً ضيقاً، يكون محيطه دائرة الفرد والأسرة فقط، مما يؤدي إلى تفتت الجهد المشترك لمواجهة متطلبات التطور، وعندها تبدأ الكارثة.

المصالح الغربية

فالغرب وغيرهم يبحثون عن مصالحهم مستخدمين كافة السبل والوسائل لتحقيقها، ونحن من حقنا أن نستخدام كافة السبل والوسائل بما نملك من ثروةٍ وخبرةٍ وعلمٍ، وأن نستثمرها في تحقيق أهدافنا الوطنية. فلسنا بأقل من الدول المتقدمة، ولكننا وللأسف الشديد انشغلنا في صراعات هامشية وقضايا ثانوية لا تخدم مصالح شعوبنا ولا مصالح أوطاننا، إنما تكون نتائجها أن تصب في مصالح القوى الأخرى.

كما أن كافة المحاولات التي تبذلها الحكومات العربية مع بعضها لعقد اتفاقيات ثنائية تبقى في إطار التمنيات دون أن يكون لها تأثيرٌ فعالٌ على الواقع، إنما هي عبارة عن إطارٍ عامٍ للتعاون يحتاج إلى آليةٍ ذات مصلحة، تعود بالنفع على الدول جراء جهدها وتقدم نتائج مادية ملموسة تدفع الدول إلى البحث عن أسس جديدة  لزيادة مواردها، وذلك يشكل حافزاً مهماً لها بالبحث الدؤوب عن أساليب مختلفة وخطوات متتابعة لتحقيق أهدافها في النمو.

تخوفات من معركة السلام

إن ما يخيفني من معركة السلام: أن تستطيع إسرائيل بما لديها من كفاءات وقدرات في المناورة والتخطيط، توظيف فائض الأموال العربية لخدمة مصالحها، مما يمكنها من السيطرة الاقتصادية، كما كانت لها السيطرة العسكرية في السابق، وبذلك تكون الأمور ميسرة لها والتي ستأخذ أشكالاً مختلفة ووسائل في ظاهرها البراءة وباطنها السيطرة والاستغلال. حيث إننا لم نفق بعد، ولم ندرك أهمية التعاون والتنسيق في تشكيل مستقبل العالم العربي.

الشركة العربية للتسويق

لذا يتطلب الأمر إنشاء الشركة العربية للتسويق على الأسس التالية :

  • يتم تشكيل الشركة برأس مال لا يقل عن 5 مليارات دولار تساهم فيها الحكومات العربية بنسبة 50% ورجال الأعمال في الدول العربية بنسبة 50%.
  • تكون مهمة الشركة كما يلي :
    • تنمية التبادل التجاري بين الدول العربية .
    • بحث إمكانيات تأسيس المشروعات المشتركة في مختلف أوجه النشاط الاقتصادي وتسهيل تدفق الأموال العربية .
    • المساعدة في البحث عن أسواق جديدة لتصريف المنتجات العربية بما يحقق للدول العربية الاكتفاء الذاتي من المنتجات المصنعة في الدول العربية .
    • إعداد الدراسات وتوفير البيانات والمعلومات اللازمة والمتعلقة بالأمور التجارية والصناعية والزراعية والاستثمارية .

هـ. تذليل الصعوبات الناجمة عن انتقال البضائع بين الدول العربية.

  • تشكيل مجلس إدارة للشركة يمثل القطاع الحكومي والقطاع الخاص لوضع خطة تهدف إلى تنفيذ الاتفاقيات الاقتصادية الموقعة بين الدول العربية وصولاً بها إلى التكامل الاقتصادي.

تناقضات المواطن العربي

سادساً: ضرورة خلق مناخ للتصالح مع أنفسنا، وإزالة التناقضات التي يعيشها المواطن العربي. إن هذه التناقضات ناتجة عَمَّا تطرحه الدول العربية في الاجتماعات الرسمية وأجهزة الإعلام المختلفة، بالحديث الدائم عن وحدة الأمة العربية، وأن مصيرها واحد ومستقبلها واحد واقتصادها يكمل بعضه البعض الآخر. في حين يرى المواطن العربي في التطبيق العملي والمعايشة اليومية تناقضاً خطيراً في السلوك والممارسات التي تتعامل بها الدول العربية.

ومن منطلق سنها تشريعات وقوانين ولوائح؛ وكل دولة تؤكد فيها مفهوم الاقليمية البشعة وتمارس التمييز العنصري حتى مع العرب المقيمين في أية دولة عربية، مما يتناقض ذلك السلوك ما تعلنه تلك الدول وما نصت عليه دساتيرها من أنها جزء من الأمة العربية، وأن ما يجمعنا نحن العرب هو وحدة المصير ووحدة اللسان ووحدة الجغرافيا ووحدة المصلحة.

المصلحة القومية فوق كل اعتبار

لكن الواقع هو أن مضمون العروبة أمر يكاد يكون موجوداً فقط في خيال الحالمين من بعض الزعماء العرب. ومن هذا المنطلق فإنه لابد لنا إذا أرادت الأمة العربية أن تواجه القرن القادم وتستعد له كما استعدت أوروبا التي وضعت نصب أعينها أهدافاً محددة وواضحة، بأن الأمن المشترك ومصلحة التكامل الاقتصادي فيما بينها يعلو على كل الأنانيات الإقليمية الضيقة، ويجعل منها إذا اتحدت وتكاتفت قوة مرهوبة الجانب يُحسَبُ لها ألف حساب، وهكذا استطاعت أن تحقق لشعوبها استقراراً في المعيشة ونمواً في الاقتصاد وتطوراً في التنمية.

ذلك ما فعلته أوربا وهو ما يتمناه أيضاً كل عربي غيور على مستقبل أمته بأن نصل إلى ذلك المستوى ونجعل المصلحة القومية فوق كل الاعتبارات، عندها يتحقق الأمن والاستقرار للجميع ونستطيع بناء مستقبلٍ مشرقٍ للأجيال العربية.

القضايا الحدودية

سابعاً: إن من أهم أسباب الخلافات بين الدول العربية هي القضايا الحدودية التي أدت في بعض الأحيان إلى حروب مدمرة، وضياع فرص في التقدم والتعاون حينما احترقت ثرواتها في تلك المعارك وتقطعت أواصل الرحم فيما بينها وكأنها وبالرغم من مرور أربعة عشر قرناً على النور الذي أنزله الله تعالى على محمد صلى الله عليه وسلّم لم تفلح الأمة في أن تغير من أسلوب التعامل فيما بينها، بحيث ظلت عقلية داحس والغبراء وحرب البسوس تعشش في عقلية قادتها وتؤكدها تصرفاتهم وممارساتهم اليومية في التعامل مع بعضهم.

إلى أين نحن ذاهبون؟

ثامناً : يجب دعوة كافة القيادات العربية وعلى كل المستويات إلى وقفة صريحة وأمينة مع النفس والضمير لتناقش سؤالاً واحداً وهو: إلى أين نحن ذاهبون؟

ثم نلتفت إلى الوراء. ونسأل: خمسون سنة من عمر الجامعة العربية، ماذا كانت حصيلة نصف قرن ؟

أدعو الله أن يعين القيادات السياسية كي تستطيع الإجابة قبل فوات الأوان يوم لا ينفع الندم، فها هي فلسطين تعيش في قلوبنا مثلاً حياً يدميها وتذرف العيون دماً بدل الدموع. والسبب لأننا لا نقوم بعملية تقييم لما جرى كي نتعرف على أسبابه حتى نستطيع أن نتجنبه في المستقبل.

كما حدث أثناء غزو العراق للكويت، فقد فقدت الكويت استقلالها واحتُلَّت أرضُها لأشهرٍ معدودةٍ، وفي المقابل فقد العراق سيادته أكثر من 9 سنوات، وفقد جيشه الذي كان يمكن أن يكون قوة للأمة العربية كما فقد مئات الآلاف من أبنائه ولا زال تحت الوصاية.

البحث عن أسباب المشكلة

فهل كَلَّف مؤتمر القمة العربي بعد هذه المأساة مجموعة عمل متخصصة تبحث بحيادية وبضمير لا يعرف غير الله رقيباً عليها وتضع مصلحة الأمة العربية فوق كل الاعتبارات؟ بحيث تبيّنُ أسباب المشكلة، وكيف نستطيع الخروج منها وكيف نمنعها من أن تتكرر مرة ثانية دون محاباة لأحد أو خشية من بطش ويكون أساس تلك الدراسة الموضوعية أن كلاهما إخوة لنا فلا نفرط في أحدٍ منهم ، وذلك أمر الله بقوله تعالى: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ) (الحجرات: 10).

لكن ما دام الأمر ليس كذلك، وما دام كلٌ منا يفكر بأنانية وبإقليمية، ولا يرى غير نفسه ولا يعلم ما يدور حوله، ولا يفعل ما يحقق مصلحة أمته بضميرٍ يقظٍ وإدراك لمسؤوليته وتقديرٍ سليمٍ لمجريات الأحداث، وما قد تعكسه سلباً على مصلحة الأمة، فإننا لن نستطيع أن نتجاوز العقبات الممثلة في تصريحات القيادات العربية التي تزوقها بالشعارات الرنانة وتصبغها بصبغٍ مختلفة لتوحي لنا بأننا أمة واحدة، بينما واقع ممارساتها اليومية يؤكد عدم إيمانها بتلك الشعارات، بل إن قوانينها تتعارض في موادها مع ما تطرحه أجهزتها الإعلامية من بيانات وشعارات تدعو إلى تمجيد العروبة والمصير المشترك.

(شيزوفرينيا) الشخصية القيادية العربية

وهذا يشكل نوعاً من ازدواج الشخصية القيادية العربية وما يسمونه (الشيزوفرنيا)، وهذا يحتاج إلى علاج طويل لكي تتعافى منه. وآمل أن يتم الشفاء قبل فوات الأوان، لأننا على مر التاريخ لم نعطِ أهمية للفرص الثمينة التي مرت بنا فضاعت كلها.

خلاصة القول إنه لكي نستطيع أن نكون في موقف القدرة للاستعداد لدخول القرن الواحد والعشرين؛ فإن على الدول والقيادات العربية مسؤولية تاريخية أمام شعوبها التي تشتت وتخلفت وضاعت ثرواتها دون طائل، وتردت في بعض الدول أوضاعها الاقتصادية، بينما هي تعيش على أراضٍ حباها الله بكل الخيرات، لكنها ترى ثرواتها تضيع أمام أعينها دون أن توظَّفَ في خدمة أوطانها لتحقق لها العيش الكريم.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى