الخطاب الإلهى

لمحات جمالية في آيات القرآن (4)

الاستعاذة عند قراءة القرآن بمثابة الاستئذان

استعرضنا في الحلقات السابقة من سلسلة موضوعات «لمحات جمالية في آيات القرآن» عدد من لمحات روائع البيان في الآيات القرآنية.

حيث تناولنا مجيء كلمة «ولد»، و«غلام» في قصتي «مريم وزكريا» عليهما السلام، وموطن البلاغة فيهما، والتي تكشف الإعجاز اللغوي في السياق القرآني.

وكذلك روائع البيان في استخدام لفظي «اهبطوا واهبطا» في قصة هبوط آدم من الجنة، فضلًا عن اللمحات الجمالية في استخدام لفظي «نرزقكم ونرزقهم» في الخوف من الإنجاب.

وما المقصود من قوله تعالى «اهدنا الصراط المستقيم» وقوله عز وجل «ختم الله على قلوبهم»

ونستكمل في هذا الموضوع مجموعة أخرى من روائع البيان في آيات القرآن أو رصد «جماليات» معانيه، فهي من اللمحات التي تغيب عن البعض وهم يقرأون القرآن، فإذا عرفوها أمكن لهم أن يتذوقوا جمال الكلمات.

الحكمة من الاستعاذة عند قراءة القرآن:

ما الحكمة في الأمر بضرورة الاستعاذة عند قراءة القرآن في سورة النحل: «فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآَنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ»؟

يقول الشيخ محمد الأمين الهرري في كتابه (حدائق الروْح والريحان في روابي علوم القرآن): الحكمة في الاستعاذة عندها الاستئذان، وقَرْعُ الباب؛ لأن من أتى بابًا لملك من الْملوك فإنه لا يدخل إلا بإذنه.

وكذلك من أراد قراءة القرآن؛ فإنما يريد بحقيقة الأمر الدخول في الْمُناجاة مع الحبيب، ولذا فهو بحاجة إلى طهارةِ اللسان؛ لأنه قد تنجَّس بفضول الكلام والبهتان، فيطهِّره بالتعوذ.

دعاء موسى عليه السلام:

ما الذي يُستفاد من دعاء موسى عليه السلام في قوله تعالى: «رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ» (القصص:24).

يقول الشيخ عبد الرحمن السّعدي صاحب كتاب (تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنّان): الآية فيها استحباب الدعاء بتوضيح الحال وشرحها، ولو كان الله عالمًا بها، لأنه تعالى يحب تضرع عبده وإظهار ذله ومسكنته، كما قال موسى عليه السلام.

وهذا ما ينافي تنطع البعض الآن ومنعهم الناس من شرح حالتهم وهم يتضرعون إلى الله سبحانه، بل ويلزمونهم ببعض الأدعية، وكأن الدعاء تلزمه صيغة معينة كي يقبله الله سبحانه وتعالى ويستجيب لعباده!

رسائل العبد الصالح الثلاثة:

في سورة الكهف قال العبد الصالح لموسى عليه السلام عندما أراد أن يبرر له خرقه السفينة رغم أن أصحابها أحسنوا إليهما: (فَأَرَدتُّ أَنْ أَعِيبَهَا).

وعندما قتل الغلام الصغير قال: (فَأَرَدْنَا أَن يُبْدِلَهُمَا).

وفي بنائه للجدار قال: (فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا).

فلماذا غير العبد الصالح في نسبة الأفعال في كل واحدة؟!

فمرة ينسب الفعل لنفسه أي أنه من فعل هذا الشيء، ومرة أخرى ينسبه إلى الله سبحانه وتعالى؟

فهو قد نسب قصد عيب السفينة إليه، في حين نسب الإبدال وإرادة بلوغ اليتيمين رشدهما لاستخراج الكنز إلى الله سبحانه وتعالى، مع أن الله هو مقدر الأمور كلها؟

يقول علاء الدين بن عمر الشيحي أبو الحسن، المعروف بـ«الخازن» في كتاب (لباب التأويل في معاني التنزيل): لما كان المقصود عيب السفينة قال العبد الصالح: (فَأَرَدتُّ) وهو بذلك أضاف العيب لنفسه لا إلى الله تأدبًا معه سبحانه، ولأنها مفسدة.

ولما قتل الغلام قال: (فَأَرَدْنَا) بلفظ الجمع، تنبيهًا إلى أن القتل كان منه بأمر الله، وله حكمة مستقبلية، ولأنه مصلحة مشوبة بمفسدة.

أما لما ذكر السعي في مصلحة اليتيمين ببناء الجدار كي يظل الكنز مدفونًا تحته، قال: (فَأَرَادَ رَبُّك)، وهو بذلك نسب النعمة لله لأنها منه، ولأنها مصلحة خالصة.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى