الخطاب الإلهى

لمحات جمالية في آيات القرآن (1)

اختلاف ألفاظ متغايرة في القصة الواحدة له بلاغته

آيات القرآن الكريم تزخر بالعديد من اللمحات البلاغية، التي تعد من جوانب الإعجاز في الكتاب الحكيم وتثبت أنه منزلًا من عند الله ولم يكتبه بشر كما يدعي الحاقدين وأصحاب النفوس المريضة.

وفي هذه السلسلة من الموضوعات نسعى لتوضيح بعض روائع البيان في آيات القرآن، أو رصد «جماليات» معانيه، فهي من اللمحات التي تغيب عن البعض وهم يقرأون القرآن، فإذا عرفوها أمكن لهم أن يتذوقوا جمال الكلمات.

استخدام «ولد وغلام» في آيات القرآن

في قصتي زكريا ومريم عليهما السلام جاء لفظ (غلام) مرة ولفظ (ولد) مرة أخرى، رغم أن الأحداث تكاد تكون متشابهة في آيات قصتي (زكريا ومريم)، حتى إن بعض المستشرقين قال إن ذلك ينبئ عن وجود تناقض في تلك الآيات! لكن الأمر ليس كذلك بالطبع.

القرآن هو مجمع البلاغة، والبلاغة في حقيقتها تعني: مطابقة الكلام لمقتضى الحال.

فكيف حدث إذن هذا التطابق في تلك الآيات؟

إليكم الشرح بإيجاز.

يقول د. فاضل صالح السامرائي في كتابه (لمسات بيانية): لمّا بُشّر زكريا بيحيى قال تعالى: «فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ » (آل عمران:39).

فكان ردّ زكريا في قوله تعالى: «قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ وَامْرَأَتِي عَاقِرٌ قَالَ كَذَلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ» (آل عمران:40).

وذلك لأن البشارة جاءت بيحيى ويحيى (غلام) فكان الجواب باستخدام كلمة (غلام).

أما لمّا بشر مريم بعيسى قال تعالى: «إِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ» (آ ل عمران:45).

فجاء ردّها كما قال تعالى: «قَالَتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ قَالَ كَذَلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ» (آل عمران:47).

وفي سورة آل عمران جاء في الآية (كلمة منه)، والكلمة أعمّ من (الغلام)، وقد جاء في الآية «إذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ».

ولمّا كان التبشير باستخدام (كلمة منه) جاء الردّ بكلمة (ولد)؛ لأن الولد يُطلق على الذكر والأنثى وعلى المفرد والجمع، وقد ورد في القرآن استخدامها في موضع الجمع «وَلَوْلَا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ إِنْ تَرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنْكَ مَالًا وَوَلَدًا» (الكهف:39).

أما في سورة مريم فجاء التبشير في قوله تعالى: «قَالَ إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلَامًا زَكِيًّا (19)» باستخدام كلمة (غلام).

فجاء ردّ مريم «قَالَتْ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا (20)»، باستخدام نفس الكلمة (غلام)؛ لأن المَلك جبريل عليه السلام أخبرها أنه يبشرها بغلام.

أما مع زكريا وتبشيره بيحيى فقد جاء أيضًا في سورة مريم بنفس الكلمة (غلام)، فكان الرد في الآيتين باستخدام كلمة (غلام).

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى