الخطاب الإلهى

لمحات جمالية في آيات القرآن (5)

لماذا اختص القرآن آدم بالشقاء؟

استعرضنا في الحلقات السابقة من سلسلة موضوعات «لمحات جمالية في آيات القرآن» عدد من لمحات روائع البيان في الآيات القرآنية.

ونستكمل في هذا الموضوع مجموعة أخرى من روائع البيان في آيات القرآن أو رصد «جماليات» معانيه، فهي من اللمحات التي تغيب عن البعض وهم يقرأون القرآن، فإذا عرفوها أمكن لهم أن يتذوقوا جمال الكلمات.

روائع البيان في قوله «ولا تقربا»

لماذا لم يقل القرآن الكريم: ولا «تأكلا» من هذه الشجرة؟ بدلًا من «ولا تقربا»؟

يقول الشيخ محمد متولي الشعراوي: في قوله تعالى: «وَلاَ تَقْرَبَا هذه الشجرة..» (البقرة : 10)

المعنى: لا تقتربا من مكانها، والمراد من الآية النهي عن الأكل منها؛ فلماذا لم يقل الحق سبحانه وتعالى «ولا تأكلا» من هذه الشجرة؟

لأن الله جل جلاله رحمة بآدم وزوجه كان لا يريدهما أن يقعا في غواية المعصية، فلو أنه قال: ولا تأكلا من هذه الشجرة لكان مباحًا لهما أن يقتربا منها فتجذبهما بجمال منظرها ويقتربا من ثمارها فتفتنهما برائحتها العذبة ولونها الجذاب.

حينئذ يحدث الإغواء، وتمتد أيديهما تحت هذا الإغراء إلى الشجرة نفسها فيأكلا منها.

ولكن الله تعالى يعلم أن النفس البشرية إذا حُرم عليها شيء ولم تحُم حوله كان ذلك أدعى ألّا تفعله.

فالله تعالى حين حرم الخمر لم يقل «حرمت عليكم الخمر» وإلا كنا جلسنا في مجالس الخمر ومع الذين يشربونها، أو نتاجر فيها. وهذا كله إغراء بشرب الخمر..

ولكنه قال: «يا أيها الذين آمَنُوا إِنَّمَا الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشيطان فاجتنبوه لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ» (المائدة: 90).

هذا النص الكريم جعلنا نبتعد عن الأماكن التي فيها الخمور، فلا نجلس مع من يشربونها، ولا نتاجر فيها حتى لا نقع في المعصية.

فإذا رأيت مكانًا فيه خمر فابتعد عنه في الحال، حتى لا يغريك منظر الخمر وشاربها فتفعل مثله.

والحق جل جلاله يقول في المحرمات: «لا تقربوا» واجتنبوا، أي لا تحوموا حولها.

لمحات جمالية في قوله تعالى «فتشقى»

ولماذا قال: فتشقى ولم يقل «فتشقيا»؟

في سياق متصل للآية السابقة هناك آية أخرى في سورة طه (الآية رقم 117) يقول الله فيها محذرًا آدم من الاستماع لوسوسة إبليس والأكل من الشجرة: «فَلاَ يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الجنة فتشقى».

فلماذا لم يقل «فتشقيا» طالما أن الأمر بعدم الأكل موجه لآدم وحواء وليس فقط لآدم؟

يقول الشيخ الشعراوي: إن هذه لفتة من الحق سبحانه وتعالى إلى مهمة المرأة ومهمة الرجل في الحياة.

فمهمة المرأة أن تكون سكنًا لزوجها عندما يعود إلى بيته، فتذهب تعبه وشقاءه.

أما مهمة الرجل فهي العمل حتى يوفر الطعام والمسكن لزوجته وأولاده، والعمل بالطبع تعب وحركة.

وهكذا لفت الحق تبارك وتعالى أنظارنا إلى أن مهمة الرجل أن يكدح ويشقى، ثم يأتي إلى أهله فتكون السكينة والراحة والاطمئنان.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى