نور على نور

لم يشرع الله الحد على المرتد

أبو بكر الصديق وظّف الخطاب الإسلامي لمحاربة مانعي الزكاة

Latest posts by المفكر العربي علي محمد الشرفاء الحمادي (see all)

إن أول من وظف الخطاب الإسلامي في المجهود السياسي هو أبو بكر الصديق لمحاربة مانعي الزكاة حيث وظف مصطلح الردة لمقاتلة الممتنعين عن الزكاة في قسمه أمام الصحابة حين قال قولته المشهورة: (والله لو منعوني عقالًا كانوا يؤدونه إلى رسول الله لقاتلتهم عليه).

لذلك يعتبر ذلك الموقف اجتهاد بشري لا علاقة له بالتشريع الإلهي، بالرغم ما عبر عنه حينها (مالك بن نويره) من قبيلة تميم، الذي وضح أسباب رفض تأديته الزكاة لأبي بكر القرشي، مما يفصح عن صراع اجتماعي وانتمائي بالاعتزاز كل بقبيلته ومكانتها في المجتمع الذي نعيشه، وقد أعلن أنه بالرغم من رفضه لأداء الزكاة إلا أنه ما يزال على دين الإسلام.

توظيف الخطاب الإسلامي لمعاقبة المرتد

وبالرغم من إيمانه باتباع محمد عليه السلام، قد تم ضرب عنقه بلا رحمة، تلك العقوبة لا تتوافق مع حكم المرتد الذي أقره القرآن الكريم في قول الله سبحانه: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّـهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ) (المائدة: 54)، وقول الله سبحانه: (وَمَن يَرْتَدِدْ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَـٰئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَـٰئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ) (البقرة: 217).

ذلك حكم الله وشريعته، من أين أتى الفقهاء بأحكام تتناقض كليًا مع شريعة الله وهم يقرؤون القرآن ويعرفون مقاصد آياته لخير الإنسان وصون حريته في اختيار الدين الذي يقتنع به؟

وما قول الفقهاء في مخاطبة الله لرسوله عليه السلام يعرفه أحكامه في حرية الإنسان لاختيار الدين الذي يرتضيه في قوله سبحانه: (وَقُلِ الحَقُّ مِن رَبِّكُم فَمَن شاءَ فَليُؤمِن وَمَن شاءَ فَليَكفُر) (الكهف: 29)، وقول الله سبحانه في تكليفه للرسول في دعوة الناس للإسلام: (وَلَو شاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَن فِي الأَرضِ كُلُّهُم جَميعًا أَفَأَنتَ تُكرِهُ النّاسَ حَتّى يَكونوا مُؤمِنينَ) (يونس: 99).

حرية اختيار العقيدة 

ويؤكد الله سبحانه في حرية اختيار الناس المطلق للدين الذي يتخذونه دون إكراه متحملين نتيجة اختيارهم يوم الحساب عند الله كما قال سبحانه يصف يوم الحساب فيما يلي: (وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا وَوُضِعَ الْكِتَابُ وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاءِ وَقُضِيَ بَيْنَهُم بِالْحَقِّ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ ) (الزمر: 69).

ثم يبين القرآن الكريم في آياته مهمة الرسول عليه السلام في قول الله سبحانه: (فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنتَ مُذَكِّرٌ ﴿21﴾ لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطِرٍ ﴿22﴾) (الغاشية: 21-22).

كما يوضح القرآن الكريم مسؤولية النبي عليه السلام: (ياَ أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا ﴿45﴾ وَدَاعِيًا إِلَى اللَّـهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُّنِيرًا ﴿46﴾) (الأحزاب: 45-46).

التكليف الإلهي للرسول

فلم يمنح الله رسوله عليه السلام حق التشريع؛ بل كلفه بإبلاغ الناس آياته وأحكامه وشرعته ومنهاجه في مخاطبة الله لرسوله بقوله: (وَإِن ما نُرِيَنَّكَ بَعضَ الَّذي نَعِدُهُم أَو نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِنَّما عَلَيكَ البَلاغُ وَعَلَينَا الحِسابُ) (الرعد: 40)، ويعرفهم بمقاصد آياته وحكمتها لمصلحة الإنسان ومنفعته في الحياة الدنيا؛ ليجزيه يوم القيامة على صالح أعماله بجنات النعيم.

فلقد عبث المتآمرون بشريعة الله ومنهاجه للإنسان، التي تقوده إلى سبيل الخير والعدل والرحمة والتعاون على البر وتحريم العدوان على الإنسان، وحرَّفوها لتحقيق أهدافًا خبيثة لهجر القرآن برواياتهم المزورة على الرسول عليه السلام.

وليس من المستغرب على الذين افتروا على الله ورسوله بأن حرفوا دعوته المكلف بها من ربه ليبلغها للناس، بأن يدسوا على الناس رواية عن الرسول مزورة وكاذبة رواها عكرمة عن ابن عباس قال: (قال رسول الله من بدل دينه فاقتلوه).

الافتراء على الرسول عليه السلام

فلينظر المسلمون كيف افترى المجرمون على الرسول عليه السلام وكيف تنكَّروا لكل أحكام الله وآياته التي منحت كل إنسان حرية الاختيار المطلق لدينه، وأن العلاقة بين الله والناس علاقة محصورة بين الله وعباده يحاسب كل إنسان على إيمانه وعقيدته وعمله يوم القيامة، ولم يمنح وكالة لأي رسول ينوب عن الله في الأرض بوضع تشريعات من عنده، ويحاكم الناس على عقائدهم وشعائرهم الدينية تأكيدًا لقول الله سبحانه مخاطبًا رسوله عليه السلام: ( رَبُّكُم أَعلَمُ بِكُم إِن يَشَأ يَرحَمكُم أَو إِن يَشَأ يُعَذِّبكُم وَما أَرسَلناكَ عَلَيهِم وَكيلًا) (الإسراء: 54).

كيف طاوعتهم نفسهم بأن ينسى الفقهاء والرواة اختلاق التزوير على الله ورسوله؟! ألم يؤمنوا بتحذير الله لهم يوم في قوله لهم سبحانه: (إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَىٰ مِن بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَـٰئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّـهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ) (البقرة: 159)، ذلك جزاؤهم في الحياة الدنيا والآخرة، فمن تجرأ على أحكام الله في شريعته في الذكر الحكيم وبدّلها بروايات من عنده فقد كفر بالله واستباح حق الله في أحكامه الذي أكدها الله سبحانه في القرآن الكريم في قوله مخاطباً رسوله الكريم: (قُل إِنّي عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبّي وَكَذَّبتُم بِهِ ما عِندي ما تَستَعجِلونَ بِهِ إِنِ الحُكمُ إِلّا لِلَّـهِ يَقُصُّ الحَقَّ وَهُوَ خَيرُ الفاصِلينَ) (الأنعام: 57).

هل يوجد نص في القرآن بإقامة الحد على المرتد؟

لذلك لا يوجد نص في التشريع الإلهي في القرآن الكريم يقر إقامة الحد على المرتد بعدما منح الله الإنسان الحرية المطلقة في اختيار الدين الذي يتفق مع قناعاته، وأن العبادة هي أمر محصور في علاقة ثنائية بين الإنسان وخالقه مؤجل حسابه إلى يوم القيامة لعل الإنسان يغير رأيه ويعود في حياته إلى الإيمان بالله الواحد الأحد ويتوب الله عليه، وأن ذلك الاختصاص لله وحده لا يشاركه أحد من عباده، فكلهم سيُساءلون يوم الحساب، حتى الأنبياء والرسل كما قال سبحانه مخاطباً رسوله عليه السلام: (فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ إِنَّكَ عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ ﴿43﴾ وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ ﴿44﴾) (الزخرف: 43-44).

وعليه، فالله جعل القرآن المرجع الوحيد لاستنباط كل القوانين والتشريعات التي تحقق للمجتمع الإنساني الأمن والاستقرار والحياة الطيبة في ظل الرحمة والعدل والحرية والإحسان واحترام حقوق الإنسان؛ وعلى رأسها حق الإنسان في الحياة دون بغي أو عدوان أو طغيان، ليكون آمنًا على حياته وحياة أسرته دون خوف أو تهديد، يعيش في طمأنينة وسلام.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى