رؤى

ليس إلا تأصيلًا لميراث الأجيال

تعجب الكثيرون من منهج الجماعات الجهادية الإسلامية

عادل نعمان

تحت عنوان «وليس إلا تاصيلًا لميراث الأجداد» كتب عادل نعمان مقاله المنشور في «المصري اليوم» تناول فيه منهج الجماعات الجهادية..

وجاء في المقال:

وتعجب الكثيرون من منهج الجماعات الجهادية الإسلامية (لما كان أعظم وأرقى ميدان للتربية الإسلامية الصحيحة عندهم هو فى ميدان القتال والجهاد) كما قدمنا في المقال السابق في «المصرى اليوم»، وتساءلوا وأنا معهم: ولماذا لا يكون ميدان العمل والعلم والمعرفة هو الميدان الحقيقي للتربية الإسلامية السليمة؟ ولماذا لا يكون السلام هو منهج الدعوة الصادق الأمين؟

وما هي حكمة الله أن يكون إيمان العباد قهرًا وجبرًا وبالسيف، وهم طوع إرادته وبنانه «ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة»؟ ولماذا نسخ الله آيات الموادعة والصفح والسلام بآيات السيف، وهو صاحب المشيئة والإرادة والهيمنة عليهم جميعًا «ما كانوا ليؤمنوا حتى يشاء الله»؟ إلا إذا كان منهجًا بشريًا خالصًا لا صلة لله به، وجرى التأصيل له شرعًا بغير الحقيقة، وإلصاقه بالدعوة زورًا وبهتانًا، وكذبوا على الله، حتى لا يذهب تاريخ الأولين كله إلى سراب، ويكون كل ما بنى على باطل يحتاج إلى مراجعة كاملة ونقد ونقض.

والغريب أن يكون منهج الدعوة بشريًا ويعتمد على القتال والغزو، وتحفيز المجاهدين بالإسلاب والغنائم والسبايا من بنات بني الأصفر من نساء الروم «من قتل قتيلا فله سلبه» أي له متاعه وخيله وأدواته، ثم توزع الغنائم في أرض المعركة «قبل أن يجف عرقهم» حتى تهدأ نفوس المقاتلين وتستقر وتطمئن، مخافة الفتنة والعراك والتنازع فيما بينهم.

وقد حدث هذا في يوم بدر بين الشباب والشيوخ، وهو منهج الغزاة قبل الإسلام أيضًا، بل كانت الاحتكاكات والمشاحنات والرفض يصاحب التوزيع دومًا، وفي الكثير كان يحسمها القرآن حين يشتد الأمر بينهم، «يسألونك عن الأنفال قل الأنفال لله والرسول فاتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم» وكأن العرب قبل الإسلام يعتبرون المال من غنائم الغزو أشرف الأموال وأعز الثروات، ويسبق كل الأموال الأخرى شرفًا، عن الزراعة والتجارة والرعى وغيرها.

وقد كان هذا السبب في عدم توريث النساء والأطفال والعازفين عن الغزو، لعدم اشتراكهم في صناعة هذا المال، حتى وصل أمر هؤلاء أن يستأجر بعضهم إجراء للغزو معه، فيخرج منهم من يخدم المحارب ويرافقه في غزوه، ومنهم من يستأجر محارباً يخرج للجهاد والقتال عنه بأجر ويتشاركان في الغنيمة ويسمى هؤلاء «الجعائل».

ويحكى أن مشركًا يدعى حبيب الخزرجي خرج مع المسلمين في غزوة بدر طمعًا في الغنائم، فلم يوافق الرسول على هذا، وتكرر الرفض لشركه، حتى استجاب وأسلم وخرج مع المقاتلين، ولا أتصور أن إيمانه كان للدعوة بل كان للغنيمة، ولم يكن يعرف هو أو غيره شيئا عن الدين الجديد، الذي يدعون إليه أصحاب هذه القرى الموطوءة، فكان الأمر ليس خالصًا لله على النحو المطلوب، وغيره في هذا الكثير، ولم يكن كله لوجه الله وللدين..

ولك أن تتساءل: لماذا ارتد الكثير من هؤلاء عن الإسلام بعد وفاة النبي؟ إلا أن كان الأمر له علاقة بماذا دخلوا ولماذا، ولولا الحروب التي أقامها أبوبكر لكان لهؤلاء جميعا شأن آخر، ولو كانت هذه الغزوات دون مقابل، أو غنائم أو سبايا، إلا لإعلاء كلمة الله فقط ونشر الإسلام، لما دخل كل هؤلاء وما كانت هذه الأعداد من المقاتلين في جيش الدعوة.

والحقيقة أن السيف كان هو الفاصل والحاسم في الدعوة، ولم ينكر هذا الأولون، وهذه حقيقة تاريخية، تناغمت واتفقت مع زمانها، وصلح وناسب طبيعة البداوة وحياتهم، واتفق مع جلب أرزاقهم ومعايشهم، وتحميسهم وترغيبهم للانضمام إلى المقاتلين بالغنائم والإسلاب والنساء وهذا ما ألفوه وما اعتادوا عليه.

ولو كان غير ذلك من محفزات ومرغبات ما تقدم منهم هذه الغالبية الغالبة، وقد كان هذا منهجًا مقبولًا عند بعض الأديان الأخرى، وهو منهج بشري وهذا أكيد، مقبول أو غير مقبول هذه قضية يحسمها العقل وليس غيره، إلا أن الغريب هو إنكار المحدثين منهم لهذه الخصوصية، وقياس أحداث وظروف القرون الوسطى بظروف القرن الحالي.

فما كان مناسبًا لظروف الجزيرة ومعايشهم، لم يكن مناسبًا لظروف ومعايش بقية خلق الله، وما كان مقبولًا في الجزيرة في حينه كان مرفوضًا في غيرها، وما كان فخرًا في أوانه يصبح عارًا ومخجلًا في أواننا هذا، والغريب في الأمر أيضًا أن يتباهى ويتفاخر هؤلاء بما صدره البدو الأجلاف إلى بلاد الحضارة والآداب والفنون والعلم والقصور والصناعة والزراعة، وما كانوا يملكون إلا سيفًا ورمحًا، ولم يكن ما حملوه من الدين ليس شاغلهم أن يطبقوه، بل شاغلهم المال والغنائم، ولم نسمع يومًا أن فضلًا عظيمًا قد ملأ البلاد المركوبة بل كل الخير كان يخرج منها إلى بلاد العرب، أخذوا ولم يعطوا.

فإذا كان الأمر كذلك والرسالات كلها على منهج زمانها وألوانها ومأكلها ومشربها وأطماعها، «دون تقييم» مقبولة أو مرفوضة في حينه، يصبح المنهج البشري المخالف للقانون والقيم مرفوضًا جملة وتفصيلًا، فلن يقبل الناس منهجًا للدعوة إلا بالعقل والسلام، ولو قبل الناس السيف يومًا، أو السبى وبيع الأسرى ومضاجعة السبايا أيامًا، يصبح هذا اليوم وغدا عارًا وجريمة ومخالفة للدين وللقيم وللأخلاق والقانون، ويصبح ميدان العمل والعلم هو ميدان الإيمان الحق والصادق والأمين، موافقون؟

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى