رؤى

«لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْراً»

عدم الإقدام على الطلاق إلا بعد منح النفس فرصة للمراجعة والفحص

إفادة بليغة تجدها في قوله تعالى «لَا تَدْرِى لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْراً»، وهي الجملة التي تختتم بها الآية الأولى من سورة الطلاق وتقول: «يَا أَيُّهَا النَّبِىّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِن بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ لَا تَدْرِى لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْراً».

الطلاق بمعناه الخاص يعني انفصال أحد الزوجين عن الآخر، وهو كما تعلم أبغض الحلال، والآية الكريمة تنصح بعدم الإقدام عليه إلا بعد منح النفس فرصة للمراجعة والفحص حتى تطمئن إلى هذا القرار الخطير، فلربما أدى تأمل الرجل لعلاقته بزوجته إلى تذكر بعض النقاط الإيجابية المضيئة التي أهملها وهو يصدر قراره الغاضب.

ذلك هو المعنى في الجملة القرآنية التي تقول: «لَا تَدْرِى لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذلِكَ أَمْراً»، فالأمر هنا مقصود به مراجعة القرار، فقد يؤدي ذلك إلى العدول عنه في اللحظة الأخيرة، بهدي من الخالق العظيم «لله الأمر من قبل ومن بعد».

أما الطلاق بمعناه العام فيعنى الانفصال أو اتخاذ قرار بالمفاصلة بين شخص وآخر، أو بين شخص ومكان، أو بين شخص وعمل، أو بين شخص وسلوك، أو بين شخص وعادة معينة وهكذا.

الطلاق بمعناه العام لا يحمل قيمة سلبية في المطلق، بل فى أحيان يكون إيجابياً كل الإيجابية، فطلاق الإنسان لصاحب سيئ، أو مكان قبيح، أو عمل غير أخلاقي، أو سلوك معوج، أو عادة سيئة، يقع في مربع الإيجابية، التي تؤدي إلى تطوير حياة الإنسان إلى الأفضل. ولعلك تذكر العبارة الآسرة التي ترددت على لسان علي بن أبي طالب وهو يعلن طلاقه للدنيا: «يا دنيا غري غيري.. قد طلقتك ثلاثاً».

العكس أيضاً صحيح. ففي كثير من الأحيان يحمل معنى الانفصال أو المفاصلة دلالات سلبية تدل على تسرع الإنسان، خصوصاً عندما يتخذ قراراً معيناً تحت ضغوط ظروف طارئة. الإنسان في هذه الحالة مطالب بالتمهل والتفكير المتأني قبل اتخاذ أي قرار، قد يندم عليه.. فالظروف تتغير والأحوال تتباين، ولا يشابه اليوم الذي يعيشه الإنسان أمسه أو غده «كل يوم هو في شأن»، وليس من العقل أن يحسب الإنسان حسابات أيام متصلة بناء على لحظة أو ظرف يقبع تحت ضغطه، الصواب في مثل هذه المواقف أن يتأمل الإنسان خيراً في القادم «لَا تَدْرِى لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْراً».

فقد تأتي لحظة تالية تحمل أمراً أو حدثاً جديداً يقلب حسابات الإنسان رأساً على عقب، وبالتالي فمهما أحاطت بالإنسان الضغوط عليه أن يتعشم في وجه الكريم الرحيم الودود اللطيف بعباده الذي كتب على نفسه الرحمة والرأفة بمخلوقاته.

الآية الكريمة تحمل معنى عميقاً يمنح المؤمن به طمأنينة وثقة وأملاً في الله الذي يغير إن يرد حالاً بحال.

نقلًا عن «الوطن»

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى