رؤى

ماذا تعني ثقافة التكفير؟

مساحة من التحريمات في حياة الإنسان بدءاً من تفاصيل الحياة اليومية وحتى الموت

د. حسن حماد
Latest posts by د. حسن حماد (see all)

ليس هذا مقالًا الهدف منه هو جلد الذات أو ما يسمى في علم النفس بالماسوشية أو (التلذذ بتعذيب النفس).

لا أن الهدف الذي نرجوه من مقالنا هو تعرية الأوهام وكشف الحقائق التي يهرب منها معظم المثقفين، وأيضًا هو محاولة للتحرر من النرجسية الزائفة، نرجسية عبادة الذات الثقافية والحضارية وتفخيمها وتضخيمها وتعظيمها حتى تصبح أحد التابوهات الكبرى.

إن هذا المقال هو بصورة أو بأخرى نقد للذات ومواجهة مع الهوية، وبدون نقد الذات لا يمكن لنا أن نتقدم خطوة واحدة، ولم تصل أوروبا إلى نهضتها وحداثتها إلا من خلال نقد الذات وانفتاح هويتها على الآخر.

وإذا كنا نتحدث ليل نهار عن تجديد الخطاب الديني، فإن هذا المشروع لا يمكن أن يتحقق ما لم يكن لدينا جرأة المواجهة وجسارة التحرر، المواجهة والتصادم مع الأفكار السائدة التي أصبحت بفعل التكرار والتقادم مقدسة، والتحرر من الخوف، من الوهم، من الماضي، ومن التعلق الطفولي بالهوية.

ثقافة التكفير

ولكن ماذا نعني بثقافة التكفير؟

هي صورة نمطية جامدة لبنية ثقافية تشكلت وتكونت وترسخت تاريخياً عبر تراكمات لأفكار وممارسات ترتبط أيديولوجياً بما يمكن أن نسميه بالأصوليات الدينية أو الأرثوذوكسية لعدد من كبار الفقهاء ورجال الدين من أمثال: الشافعي، أحمد بن حنبل، مالك بن أنس، وأبي حنيفة النعمان، والأشعري، والباقلاني، والبخاري، والشهرستاني، والغزالي، وابن تيمية، وابن كثير، وابن القيم الجوزيه، وعشرات غيرهم.

وقد تواصلت هذة الأرثوذوكسية السنية مع حركة محمد عبد الوهاب في شبه جزيرة العرب وامتدت لتواصل تأثيرها على المعاصرين من أمثال أبي الأعلى المودودي وحسن البنا وسيد قطب وتابعيهم من الجماعات الجهادية والسلفية الحالية.

والغريب في الأمر أن هذا الفكر الأصولي يستطيع التعايش بصورة مدهشة مع كافة التيارات الاستبدادية السياسية والفاشية. ولذلك فقد التقت مصالح جماعات الإسلام السياسي مع الرأسمالية العالمية خاصة في إنجلترا وألمانيا وأمريكا.

الأصولية الدينية والأنظمة الاستبدادية

إن الأصولية الدينية والأنظمة الأستبدادية وجهان لعملة واحدة هي النظام الفاشستي. وثقافة التكفير هي ثقافة التطرف الديني، وهي الثقافة التي تنتعش عقب الأزمات الأقتصادية والسياسية الكبرى مثلما حدث بعد هزيمة 67، وهي ثقافة هؤلاء الذين أصابتهم جرثومة التدين الشكلي وهوس التحريم.

وعلى الرغم من أن البعض قد ينظر لهذه الثقافة بوصفها عرضاً للأبعاد الاقتصادية والاجتماعية إلا أننا نعتقد أن المسالة تجاوزت هذا الأمر، ولم تعد مجرد ظاهرة بل أصبحت بنية ثقافية متماسكة تفرز التطرف والعنف بكافة مستوياتة اللفظية والرمزية والجسدية وتعيد إنتاج جماعات تكفيرية وجهادية لديها المقدرة والكفاءة على اجتذاب عناصر غريبة عنها.

مثلما حدث مع تنظيم داعش الأصولي الإرهابي الذي استقطب إلى صفوفة أعداداً من أبناء البورجوازية الأوربية من الرجال والنساء، وهذا الأمرالأخير وحده يمثل ظاهرة خطيرة تحتاج لمزيد من الدراسات النفسية والتربوية والاجتماعية التي ربما تفسر هذه الظاهرة.

ترى ما الدافع الذي يجتذب هؤلاء لمثل هذة الحياة الخشنة؟ هل هو البحث عن المال، عن الجنس ، عن تجربة لا معقولة، عن دراما جديدة، هل هو البحث الحنين إلى الطبيعة، هل هو استجابة لدافع الموت بلغة فرويد؟

على أية حال فإن ثقافة التكفير هي ثقافة غيبية ماضوية، أحادية، قمعية، إرهابية ،نصية، تحريمية، انغلاقية، نرجسية، فاشية، تقديسية، سكونية ذكورية، قبلية، رعوية…الخ

بعبارة أخرى ثقافة التكفير ثقافة تميل إلى الخرافة وتكره العلم ولا تعترف بالعقل، تقدس الماضي ولا تشغل بالها بالمستقبل، تكره الحرية وتهرب منها وتعشق فقط حرية العبودية أو العبودية المختارة، ثقافة المونولوج.

لأنها لا تؤمن بالحوار ولا تعترف بالاختلاف ولا بحق الآخر في التعايش أو الوجود.

المرأة في الثقافة التكفيرية

في هذه الثقافة تمتد مساحة التحريمات والمقدسات لتشمل كل شيء في حياة الفرد: ملابسه، مأكله، مشربه، غرائزه، مشاعره، عقله، جسده، كل شيء في حياة الإنسان بدءاً من تفاصيل الحياة اليومية وحتى الموت وما بعد الموت.

وثقافة التكفير تنظر إلى المرأة على أنها متعة ونقمة، ولذلك ترتبط المرأة في هذا التراث بالغواية والطابع الشيطاني.

أخيراً فإن هذة الثقافة تعمل بكل ما تمتلك من أدوات هيمنة وسيطرة وقمع على أسطرة (إضفاء البعد الأسطوري) التاريخ والماضي والأحداث والحروب والغزوات والشخصيات.

وبالتالي يتم إسقاط قداسة الإله على التاريخ وتصبح أحداث هذا التاريخ بكل أفراحه وأتراحه وبكل مآثره وخطاياه عالمًا مقدسًا لا ينبغي الاقتراب منه أو المساس به لا بالنقد ولا بالتأويل ولا بالتفسير ولا بالتصوير أو المعالجة الفنية.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى