أخطاء شائعة

ماذا يعني سبب نزول النص الشرعي تاريخيًا؟

تشدد الناس فيما لم يكن فيه حكم، ولم يكن مستحدثًا أو معروفًا في حياة النبي

لم تنزل الأحكام في الإسلام على الرسول أبوابًا وفصولًا كاملة منظمة، حكم يليه حكم، ومسألة تسلم نفسها لمسألة أخرى.

هذا باب الحكم، وذاك باب التجارة، وباب المواريث، وباب الزواج والطلاق، وباب الحدود والعقوبات والزواجر والنواهي، وباب الرِّق، وباب ملك اليمن، وباب الكفارة، وباب القتال والجهاد، وباب توزيع الغنائم وغيرها، بحيث يعود صاحب المسألة إلى الباب والفصل المطلوب ليجد الحكم جليًا سواء أكان اليوم أو غدًا، لا قياس فيه ولا اجتهاد، ولا اختلاف بين الفقهاء.

الأحكام تتبع المواقف المستحدثة

إلا أنّ الأمر غير ذلك تمامًا، فكانت الأحكام حسب ما ينشأ وما يحدث من مواقف مستحدثة، ومشاكل طارئة، فيذهبون بالمسألة ويضعونها بين يدي النبي، فيجيب بعد أن يتنزل عليه الوحي، ونعطى مثالين، الأول: هذا رجل قال لامرأته: لا آويك ولا أدعك تحلين «أى تكوني كالمعلقة» فيطلقها الرجل، فإذا حل موعد انتهاء عدتها راجعها، وهكذا، ولما قصت حكايتها على النبي نزلت الآية «الطلاق مرتان، فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان» فأصبح مراجعة الزوجة مرتين، والثالثة طلقة بائنة يستوجب زواجها من آخر حتى تعود إليه.

المثال الثاني: هذه «أم كحة» زوجة آوس بن ثابت الأنصاري «لما مات عنها زوجها ولها منه ثلاث بنات، واستولى على تركة زوجها أبناء عمومته «سويد، وعرفجة» ولم يتركا لورثته شيئًا، وكان هذا جائزًا في الجاهلية، وكانت قبائل الغزو لا يورثون النساء أو الصغار من الذكور، فلم يكن يورث إلا من قاتل وغزا وحاز الغنيمة، وهي الطريقة الشائعة عندهم في تكوين الثروة والمال، فلما ذهبت «ام كحة» للرسول تشتكيهما إليه، دعاهما إلى مجلسه وقالا قولة الجاهلية السابقة، حتى نزلت الآية «لِّلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِّمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِّمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيبًا مَّفْرُوضًا»، هكذا كانت كل الأحكام والآيات، حدث وموقف وسؤال وجواب وحكم «ويمكن الرجوع في هذا إلى كتب أسباب النزول، ومنها كتاب أسباب النزول للنيسابوري».

هل غطت فترة النبوة كل الأحداث؟

والسؤال المهم: هل بعد اكتمال الرسالة المحمدية، وما قاله الله في سورة المائدة في حجة الوداع على لسان نبيه: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِى وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا). هل توقفت أسئلة ومشاكل الناس؟ وهل اتسعت مساحة وجود النبي بين الناس لكل الأحداث والمواقف، وغطت كل نواحي الحياة، وما يقابله الناس من أحداث وظروف؟ وهل شملت وغطت فترة النبوة كل استفسارات الناس وما يستجد منها إلى آخر الزمان؟ وهل جفت الأحداث والمواقف، وأصبحت حاجة الرعية للاتصال بالسماء بعد النبي معدومة؟

هذا لم يحدث، فما زال الناس يواجهون من المسائل ما يتواصلون قدر طاقتهم وطاقته حتى مماته، ولم تكن هذه الآية كما يفهم منها قد كفت الناس عن السؤال والاستفسار، أو رفع النبي يده عن أسئلة الناس طالما الأحداث والمسائل متجددة ومتوالية ومستمرة وغير متناهية.

فهذا أحد الصحابة، يسأله بعدها بساعات عن «الكلالة» وهي موت الرجل دون زوجة أو أولاد أو أب أو أم، وقد كان هذا السؤال لصحابي يُدعى «جابر» وله أخوة أشقاء من الأب والأم، وكان رد النبي «يستفتونك قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِى الْكَلَالَةِ إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُهَا إِن لَّمْ يَكُن لَّهَا وَلَدٌ فَإِن كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ وَإِن كَانُوا إِخْوَةً رِّجَالًا وَنِسَاءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنثَيَيْنِ»

والتفسير: فإن كان له أخت واحدة فلها نصف التركة، وإن كان له أختان فلهما ثلثا التركة، وإن كان له أخوة ذكور وإناث، للذكر مثل حظ الأنثيين.

ثم ماذا عن الحالات التي لم تعرض على النبي؟ أو لم تقابل الناس أثناء حياته؟ أو تحرج الناس في السؤال عنها؟ أو كانت خاصة وتحولت إلى وضع عام بعد وفاته؟ وأمور الحياة متجددة ومتنوعة، وما تحمله اليوم من القليل الذي لا يزن، هو في الغد القريب كثير وثقيل الأحمال، وما كان خافيًا ومستترًا عن أعين الناس، يصبح في السنة القادمة أعلى شأنًا وحجمًا وظاهرًا للعيان.

التشدد في الأحكام

بل وقد كان للناس رأي آخر، فقد تشددوا فيما لم يكن فيه حكم، ولم يكن مستحدثًا أو معروفًا في حياة النبي، بل غالوا في الظلم وحزموه أكثر مما يجب، ولو كانوا قد قابلوه وواجهوه وعرضوه على النبي، لكان له رأي آخر لم يستمر الناس عليه على باطل، وكان قد صحح مسار المسلمين قرونًا إلى الحق والعدل، وما حرم أصحاب الحق من حقوقهم، وما ضن أصحاب الفضل بفضلهم.

وحقيقة الأمر أن هذه المسائل لم تواجه الناس حال حياة النبي فسألوها، وعرضوها على النبي ومنه على رب العزة ليستجيب لنداء الرحمة والعدل.

ولنا هنا مثال: ألا وهو أن يموت أحد الأبناء حال حياة والده ويترك ذرية صغارًا، فلا يرث هؤلاء الصغار إذا مات الجد، ويرث بقية الأعمام تركة الجد كاملة وربما كان الابن الميت له فيها جهد ونصيب أكبر من جميع الأخوة، فيحدث الشقاق والبغضاء بين أولاد العم، فهؤلاء لا يورثون لوفاة أبيهم أثناء حياة جدهم، والآخرون يرثون بعد وفاة الجد، وحرم الأولاد بما ليس فيه نص، ولم يكن عدم وجود النص إلا لعدم وجود السؤال والحالة، ثم ماذا بعد؟.. القادم الأسبوع المقبل.

«الدولة المدنية هي الحل»

نقلًا عن «المصري اليوم»

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى