أخطاء شائعة

متسع جديد للخطر… إرهاب وسط أفريقيا

عام 2021 رصد اندماج وتحالف بين التنظيمات المتطرفة

شهد الربع الأخير من العام 2021 نشاطاً متزايداً قامت به جماعة «القوات الديمقراطية المتحالفة»، في الشمال والشمال الشرقي من الكونجو الديمقراطية، وهي تنظيم مسلح أشارت العديد من الدلائل إلى ارتباطه بتنظيم «داعش» الإرهابي، رغم نفي الجماعة هذا الارتباط والتأكيد على محاولة تقديم نفسها باعتبارها حركة معارضة محلية. ولهذا تبدو التسمية التي اختارتها الجماعة تعبر عن هذا التوجه بشكل واضح.

لكن تظل المعلومات الاستخباراتية المحلية وبعض من الجهات الدولية المنخرطة في جهود مكافحة الإرهاب، تؤكد علاقة ارتباط من نوع ما ربما على مستوى المرجعيات الفكرية والعقائدية على أقل تقدير.

وهذا وحده كافٍ لأن يلفت الانتباه بالنظر إلى تلك الوقائع المتسارعة، التي بدأت الجماعة في ارتكابها مؤخراً من هجمات سقط على أثرها عدد لا يستهان به من الضحايا، المدنيين والعسكريين على حد سواء.

تاريخ «القوات الديمقراطية المتحالفة»

«القوات الديمقراطية المتحالفة» تأسست في أواخر تسعينات القرن الماضي، نتاج تحالف واندماج عدة فصائل متمردة في مقاطعة شمال «كيفو» في الكونغو، وكعادة التنظيمات المماثلة اختارت بقعة جغرافية بالقرب من الحدود مع أوغندا، كي تستفيد من التحرك على جانبي الحدود الهشة ما بين الدولتين الجارتين بوسط القارة الأفريقية.

غالبية أعضاء هذه الجماعة وقت المرحلة التأسيسية كانوا من أبناء مناطق وسط أوغندا، لكن لاحقاً ومع ضمانة استقرارهم في شمال الكونجو بدأت عمليات التجنيد تجري بوتيرة منتظمة، لتضم في صفوفها عدداً كبيراً من أبناء الشمال الكونجولي الذين مكّنوا الجماعة من الاختلاط بالسكان المحليين، مما ساهم في توفير حاضنة محلية قدمت العديد من وسائل الأمان لتحرك هذا التنظيم الوليد، لم يقف الأمر عند حد التزاوج وتكوين الأسر، بل امتد للتقارب مع معظم القيادات المحلية المؤثرة التي سمحت لها بالبقاء طوال عقدين من الزمن. «جميل مولوكو» يعد القائد التاريخي لتلك الجماعة والشخصية المحورية فيها.

والمثير أنه كان كاثوليكياً سابقاً اعتنق الإسلام بمجرد ضم عناصر «جماعة التبليغ» إلى تنظيمه الذي ظل لسنوات له طابع «التمرد الريفي» الحدودي، المنتشر في كثير من البلدان الأفريقية المماثلة خاصة في المناطق الفقيرة التي دفعت ثمن عدم الاستقرار السياسي والنزاع على السلطة في تلك البلدان.

محطة عام 2007

محطة عام 2007 من عمر التنظيم شهد ما يشبه اتفاقاً لوقف النيران بين الجماعة والسلطات في كل من أوغندا والكونجو، وصياغة اتفاق يضمن عدم الاعتداء بعد المعارك التي اندلعت بداية العام فيما سمي بفصل «منتزه سموليكي» الوطني واستمرت إلى 2008، قبل أن تتدخل «المنظمة الدولية للهجرة» كوسيط وتقوم بإعادة أصحاب الجنسية الأوغندية إلى بلدهم الأصلي، ليصاب التنظيم بالتضعضع والانحسار المؤقت الذي سرعان ما تغلّب عليه عام 2013، حيث شهد استعادة نشاط التجنيد المكثف داخل الكونجو لتبدأ مرة أخرى «القوات الديمقراطية المتحالفة» تستعيد سمعتها القتالية.

في يوليو 2013 جدد التنظيم عملياته القتالية في مقاطعة «بنى» وبدأ يمارس عمليات السيطرة على القرى والمدن الصغيرة، بصورة تتماثل مع تكتيكات تنظيم «داعش» الذي كان في هذا التوقيت ناشطاً ومتمكناً في مناطق عدة بسوريا والعراق.

هجمات 2014

مع بداية عام 2014 شنت القوات المسلحة للكونغو الديمقراطية هجوماً كبيراً على مقاتلي «القوات الديمقراطية المتحالفة» في مدينة «بنى» ومحيطها، وتلقت حينها دعماً استخباراتياً مكَّنها بحلول أبريل من نفس العام، أن تقتحم معسكرهم الرئيسي وتوقع بهم هزيمة، فرَّ على أثرها «جميل مولوكو» وغيره من كبار قادة الجماعة. لكن خليفته «موسى بالوكو» الذي استطاع أن يلملم شتات ما تبقى من الجماعة، تمكن من إعادة عناصر القوة إلى تنظيم القوات الديمقراطية، بل وشهدت الجماعة تحت قيادته انتقالها إلى أداء أكثر وحشية وشراسة في تنفيذ عملياتها واستعادة السطوة والنفوذ بشكل سريع.

وربما يمكن اعتبار العام 2015 أن التنظيم دخل فصلاً جديداً في مسيرته المسلحة، أوقع أعداداً قُدِّرت بالمئات من الضحايا وتسببت في نزوح الآلاف من سكان مناطق «بنى» و«إيتوري» بشمال الكونجو.

الارتباط بين داعش وبوكو حرام

ولم يلبث أن شهد عام 2017 بثاً مصوراً للقائد مولوكو وهو يهنئ تنظيم «داعش» على إحدى عملياته، وبدا الارتباط كبيراً بين التنظيمين في سيناريو مشابه إلى حد كبير لما جرى لاحقاً داخل صفوف تنظيم «بوكو حرام» النيجيري.

الولايات المتحدة صنفت مؤخراً جماعة «القوات الديمقراطية المتحالفة» التابعة لداعش «منظمة إرهابية».

وأكدت واشنطن أنها استندت في ذلك إلى تقارير استخباراتية مؤكَّدة، وإلى أرقام وردت في تقرير سلم إلى الأمم المتحدة أن هجمات هذه الجماعة أوقعت أكثر من (849 ضحية مدنية) في عام 2020 بإقليمي كيفو الشمالية وإيتوري.

التنامي الإرهابي في 2021 

ولم يخلُ شهر من العام 2021 المنصرم من حصيلة ضحايا لم يجر حصرها كلياً بعد، لكن الأخطر أن هذا العام رصد خطوط تحالف بدأ يظهر ما بين «القوات الديمقراطية المتحالفة» وبين «جماعة الشباب الصومالية»، والأخيرة تمثل فرعاً قاعدياً قوياً بالشرق الأفريقي وله تقريباً نفس البعد التاريخي الممتد لنحو ثلاثة عقود مضت.

وهذا ربما سبب قوى جعل التقارير الأممية الأخيرة تستخدم لفظاً دالاً «النار في الهشيم» وهي ترصد وتحلل هذا التنامي الإرهابي الذي جرى تطور البعض منه خلال عامي انتشار جائحة كورونا، واستطاعت التنظيمات المسلحة خلالهما تثبيت أوضاعها بصورة صارت مهددة بقوة وجدية لمصالح عديد من الدول الغربية، فضلاً بالطبع عن حجم الفوضى الأمنية التي تسببها للدول المرتكزة فيها وأخرى ممن تتمكن من العبور إليها.

التحالفات الجديدة بين التنظيمات استطاعت أن تخلق واقعاً مغايراً لما كان عليه الوضع خلال أعوام قليلة مضت، وبالنظر لما يجري حول «بحيرة تشاد» من تأسيس لولايات داعش وسط وغرب أفريقيا، جعلت الجنرال «ستيفن تاونسند» قائد القيادة الأمريكية في أفريقيا يصرح للصحفيين مؤخراً بقوله «يبدو أن كل الجهود التي اتخذت لم تكن كافية، لإيقاف ما أسميه النيران الهائلة للإرهاب التي تجتاح تلك المنطقة».

وهو اعتراف سبقه إليه الفرنسيون أيضاً، وكلتا الدولتين بذلت على مدى عقود الكثير في محاولة حصار الإرهاب بتلك المناطق، فأي مستقبل ينتظر القارة على هذه الصورة القاتمة؟

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى