الخطاب الإلهى

مدير تحرير الوفد: دعوة الرئيس السيسي للتفكر مذكورة في القرآن

د. مصطفى عبد الرازق: مضمون الآيات هو التفكير والتعامل النقدي مع النص للوصول إلى إيمان حقيقي

قال د. مصطفى عبد الرازق مدير تحرير جريدة الوفد، برزت إشكالية علاقة الإيمان والعقل إثر المداخلة التي قام بها الرئيس السيسي لأحد البرامج التليفزيونية وطرح خلالها ضمن ما طرحه قضية الوعي الديني.

وأضاف في كلمته خلال مؤتمر «العقلانية والوعي والإبداع… أسلحة في مواجهة الإرهاب» الذي نظمته مؤسسة «رسالة السلام للابحاث والتنوير»، أن البعض يحاول تحميل هذه الدعوى مضامين ليست جزءًا من طبيعتها بشكل يبدو معه وكأنها دعوة للخروج على الدين أو من الدين!

وأشار إلى أن هذه الدعوة جاءت في كتاب الله العزيز قائلًا: وتناسى هذا البعض أن هذه الدعوة تتوافق مع ما أكد عليه القرآن ذاته في بعض آياته ومن ذلك قوله تعالي: «وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِّن نَّذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِم مُّقْتَدُونَ» (الزخرف: 23)

وقوله تعالي : «إِذۡ قَالَ لِأَبِیهِ وَقَوۡمِهِۦ مَا هَـٰذِهِ ٱلتَّمَاثِیلُ ٱلَّتِیۤ أَنتُمۡ لَهَا عَـٰكِفُونَ (52) قَالُوا۟ وَجَدۡنَاۤ ءَابَاۤءَنَا لَهَا عَـٰبِدِینَ(53)» (الأنبياء)

ولفت إلى أن المضمون الحقيقي لهذه الآيات هو التفكير فيما يتلقاه الإنسان ومناقشته والتعامل النقدي معه للوصول إلى إيمان حقيقي بما يتم دعوته إليه.

وقدم الدكتور مصطفى عبد الرازق ورقة بحثية مما جاء فيها:

أن تعد قضية العلاقة بين الإيمان والعقل من بين القضايا الأساسية في الفكر الإنساني حيث احتلت مرتبة مهمة ظهرت بشكل واضح فيما قدمه العديد من الفلاسفة والمفكرين سواء في الغرب أم في الإطار الإسلامي.

ويتمحور السؤال بشأن هذه الإشكالية في التساؤل حول أيهما له الأولوية في تحديد رؤية الإنسان للعالم الذي يعيش فيه: العقل أم الإيمان، أم أنهما صنوان لا يفترقان ولا يمكن أن تنتظم مسيرة الإنسان دون توازيهما؟

وتعود هذه القضية إلى الواجهة مع كل نقاش يتعلق بالعقائد وغيرها من القضايا الإيمانية حيث يصعد للواجهة السؤال أيهما يأتي أولًا: العقل أم الإيمان؟

كيف تناولت الفلسفة قضية الإيمان؟

وإذا كان البعض يذهب إلى أن هذه القضية لم تجد طريقها إلى الفلسفة اليونانية لغياب دور الدين في نشأة هذه الفلسفة، إلا أن آخرين يذهبون إلى أنها كانت محل نقاش وجدل حيث رأى أفلاطون بأن المعرفة هي ببساطة الذاكرة الأبدية فيما وضع أرسطو قواعد يمكن من خلالها اكتشاف المعرفة عن طريق العقل.

ومع ذلك يمكن القول بأن هذه القضية بدأت وبشكل يتسم بالإلحاح مع ظهور المسيحية على نحو احتلت معه مكانة مهمة في فكر العصور الوسطى والنهضة والعصر الحديث، وهي ذات الأهمية التي حظيت بها في الفكر الإسلامي حيث كانت موضوعًا رئيسيًا في كتابات العديد من المفكرين والفلاسفة المسلمين.

قبل استعراض مسيرة هذه الإشكالية في الفكرين الغربي والإسلامي نشير إلى أن طبيعة المشكلة تتأتي مما يبدو من تعارض العقل والإيمان على مستوى التعريف، فالإيمان في أكثر التعريفات تبسيطًا هو نوع معين من الإعتقاد دون وجود سبب أو دليل، في حين أن تعريف العقل ينصرف إلى أن تحديد الحقيقة إنما يتم عبر التحليل المنطقي والواقعي وعلى هذا كانت النظرة للإيمان باعتباره مناقض للعقلانية.

د. مصطفى عبد الرازق

علاقة الإيمان والعقل لإثبات صحة المعتقد

من المؤكد أنه من الجيد للمؤمن، كما يذهب ريتشارد سوينبيرن في كتابه (الإيمان والعقل) أن يقوم بالمزيد من البحث لتأكيد معتقده وعلى ذلك فإن البحث امر أخلاقي لإثبات صحة المعتقد. وفي ظل انتشار عملية التشكيك في الأديان فإن الإيمان يحتاج إلى حجج مبرهنة على وجود الرب ومن ثم فالمؤمن مطالب بالبحث عن معايير مشتركة بينه وبين الملحد لإثبات وجود الرب فالحقائق الدينية تحتاج الى الحجج الإستقرائية بدءًا من المعلومات التاريخية حتى المعلومات الكونية والعلمية حتى يتوازي برهان الدين مع البرهان العلمي فالرب لن يمنحنا إثباتًا قاطعًا وحاسمًا على وجوده من دون عناء البحث لأن الإيمان قائم على الطوعية والاختيار.

وكما ذهب البعض في معرض تدليله على صحة هذا التوجه فإننا عندما ندرك بالمنطق والعقل سبب إيماننا فإننا سنكون أكثر استقرارًا من الناحية الروحية وستتحول ممارساتنا لشعائر الدين من طقوس يومية تخلو من معنى وتأثير إلى قناعة وثقافة تغير واقع الفرد والأمة، كما أننا لن نتهاوي عند أول سؤال يطرح أمامنا عن حقيقة الإسلام ومعتقداته الكبرى.. من يعرف يكون أكثر تسامحًا لأن نفسه مطمئنة بما توصله إليه عقله من حقيقة ومن يجهل يكون أكثر تعصبًا لأنه لا يملك من المعرفة شيئًا فيستعيض عنها بالعاطفة.

تغليب الديني على العقلي

وتتضح أهمية هذا التحول في النظر لهذه القضية على أرض الواقع من حقيقة انعكاس هذا النمط من التفكير الذي يغلب الديني على العقلي على حياتنا، ووضعنا كمسلمين في العالم تراجع حجم مساهمتنا في الحضارة العالمية إلى أدنى مستوياته على نحو أصبحنا معه عاجزين عن  المشاركة في إبداع التكنولوجيا وفي تقدم العلم، وحتى في نمو اقتصادي ذي بال لأسباب عميقة منها ما يرجع إلى الوضعية العالمية ومنها ما يتجذّر في الواقع الداخلي.

ومرة ثانية وكما يذهب جعيط في كتابه «أزمة الثقافة الإسلامية»، فإن العالم الإسلامي ما زال بعيدًا عن المستوى الاقتصادي والعلمي والتقني والعسكري للعالم الغربي، والمسافة ما زالت هائلة رغم اتخاذنا الكثير من وسائل الحداثة بث التعليم والتقدم الصحي والإعلام الجديد والىلات الحديثة في الفلاحة والمضي في عملية التصنيع..

كل ذلك يفرض علينا تعزيز نهج التفكير القائم على تعزيز دور العقل ومنحه قدر أكبر من الاهتمام إن لم يكن الأولوية.. إذا أردنا بحق أن يكون لنا موطأ قدم حقيقي في حضارة العالم.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى