رؤى

مشاكل الاقتصاد العربي

تأملات في سلسلة «ومضات على الطريق»

Latest posts by كامل حسن الدليمي (see all)

هناك المزيد من التردي الاقتصادي والتراكمات التي انعكست عن الواقع السياسي للأمة العربية. ونستعرض مشاكل الاقتصاد العربي وفق رؤية المفكر العربي علي محمد الشرفاء الحمادي في كتاب «ومضات على الطريق» الجزء الأول.

يجد الباحث أن هناك مسببات قادت إلى التردي الاقتصادي العربي، وقبل الدخول في تحليل رؤية «الشرفاء» ومقترحات حلوله، لنتابع تحليلًا لمشاكل اقتصاديات العرب.

إن مشاكل الاقتصاد العربي المزمنة معروفة في عللها وتشخيصاتها النظرية الأكاديمية، ونحن هنا لا نقدم شيئًا جديدًا عندما نشير إلى بعض الأرقام المخيفة المتعلقة بصعوبة الواقع الاقتصادي والتنموي العربي، (التي تحاذر تلك القمم البحث عن أسبابها الحقيقية الكامنة أصلًا في الجذر السياسي الفاسد)، والتي تفرض ذاتها ووجودها أكثر من أية تحليلات رسمية، ورؤى رغبوية، وأمنيات ذاتية، تأتي فقط من باب الآمال العربية المعقودة على حدوث نهوض، وربيع اقتصادي وسياسي عربي قادم حقيقي غير مزيف.

والأرقام والبيانات والإحصائيات -التي هي أكبر من محاولة إخفائها وتغطيتها بالآمال الواهية- تقول: إن التجارة البينية العربية العربية لا تتعدى أكثر من 27%، وأن هناك بطالة عربية حادة كبيرة تعجز مؤسسات الحكم العربية الرسمية عن احتوائها والسيطرة عليها، وأن هناك تراجعًا بل نزفًا مخيفًا مستمرًا في حجم ونوع الاستثمارات (الداخلية والخارجية) القادمة إلى الداخل العربي، وربما هروب الموجود منها إلى الخارج؛ بسبب الخوف من موجات الأصولية الدينية ومشروع التغيير الإسلامي.

وهناك أيضًا الارتفاع الكبير وغير المسبوق في أسعار السلع والبضائع والمستوردات، أي: أن هناك صعوبات جمة كبيرة في قدرة الفرد العربي على تأمين معيشته اليومية المرتبطة بحاجاته ومستلزماته اليومية من ماء وغذاء وكساء، أي: إنفاقه على السلع الضرورية.

إضافةً إلى التردي الواضح في طبيعة الخدمات والبنى التحتية المقدمة من قبل الحكومات العربية للفرد العربي، سواء على مستوى نوعية وسلامة المياه، وخدمات الصرف الصحي، والضمان الصحي والاجتماعي، وشبكات الطرق والمواصلات الحديثة، وغيرها… إلخ.

ولن نتحدث بالطبع عن الحالة المأساوية للبحث العلمي العربي، حيث تنفق الدول العربية مجتمعة أقل بكثير مما تنفقه إسرائيل لوحدها على البحوث العلمية، التي باتت مرتبطة في عالم اليوم بعجلة الإنتاج الاقتصادي لأية دولة متقدمة ومتطورة، وتعطي انطباعًا ما عن وضعها وحالة التعافي الاقتصادي من عدمه.

بصورة أكثر تفصيلية، نجد على صعيد ضعف الاستثمارات العربية والدولية القادمة للبلدان العربية مثلًا، أن البيانات والمعطيات الحقيقية تشير إلى أن حجم الاستثمارات العربية خلال عام 2012م لا يتعدى الـ23 مليار دولار، في حين أنها كانت خلال العام 2010 في حدود 68 مليار دولار، وانخفضت خلال العام 2011 إلى 43 مليار دولار، أي: بنقصان قارب الـ37%.

وهذا الانخفاض في حجم الاستثمارات له أسبابه الداخلية، وهو يؤشر بالضرورة إلى فقدان ثقة الشركات العربية الضخمة بأجواء ومناخات بلدانها السياسية، وبحكامها ومؤسساتها الرسمية العاملة، بما يدفعها دفعًا للاستثمار في الخارج، بسبب الجماعات المحسوبة على التيارات الإسلامية التي لم تبدع في شيء أكثر من إبداعها في سياسة ترهيب المستثمرين، وتخويف الناس، وتطفيش الرساميل، والخبرات الوطنية، نظرًا لغبائها السياسي، وسوء تدبيرها الاقتصادي، ونزعتها الانغلاقية الماضوية، وعيشها الأبدي في ظل أفكارها التمجيدية القديمة، مع أن الواقع أهم من الأيديولوجيا، ومصالح الناس والمجتمع في العيش المادي الآمن والرغيد أهم وأبقى من كل القناعات المزيفة المؤدلجة الموعودة، وأهم من رموز السياسة كلهم.

ولو عدنا قليلًا إلى الوراء للوقوف على طبيعة المشهد الاقتصادي العربي من زاوية أشمل وأوسع، نستحضر العراق كمثل على ما تقدم، حيث إن هذا القطر العربي الغني بثرواته النفطية، كان يملك في العام 1979 فائضًا من العملة الصعبة يقدر بحوالي 50 مليار دولار، وبعد أقل من عشر سنوات أصبح هذا البلد مهددًا بمجاعة حقيقية، بالرغم من كونه بلدًا نفطيًا بامتياز، إذ أضحى مدينًا بمئات المليارات من الدولارات، وينوء تحت كارثة اقتصادية مهولة، اضطرته لبيع نفطه بأبخس الأثمان عن طريق الأمم المتحدة؛ ليشتري دواء وخبزًا وطعامًا!

والآن يمكن أن نستحضر أيضًا المثل السوري الذي دخل فيه هذا البلد في أتون حرب داخلية خطيرة ومدمرة (أحاذر وصفها بالأهلية والطائفية)، حيث تتحدث الأرقام عن أن تكلفتها حتى الآن يمكن أن تكون قد قاربت حد الـ200 مليار دولار، توزعت ما بين خسارة استثمارات اقتصادية، وإيقاف شبه كامل لعجلة التنمية، ومختلف قطاعات العمل الإنتاجية الخاصة والعامة، (نقل تجار حلب بعض استثماراتهم البالغة 10 مليارات دولار إلى مصر)، وتدمير لكثير من البنى التحتية، مع ارتفاع في معدلات التضخم وصلت حدود الستين بالمائة، فضلًا عن خسارة أرواح ضحايا وأبرياء قاربت أعدادها المائة ألف قتيل، ونزوح عدة ملايين من البشر عن قراهم ومدنهم، ولجوء مئات الآلاف من السكان للدول المجاورة، يعني كارثة اقتصادية وإنسانية بكل معنى الكلمة.

اظهر المزيد
شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى