المرصد

مفكر سعودي: منابع الإرهاب ما زالت تتدفق بغزارة

إبراهيم البليهي: مشروعي الفكري ينطلق من رؤية إنسانية محضة

«المنبع الذي أنتج القاعدة وبوكوحرام وداعش وكل الجماعات المتشددة التي ترفض حضارة العصر، هو نبعٌ ما زال قادرًا على التدفق بكل غزارة».

كان هذا رد المفكر والكاتب السعودي إبراهيم البليهي في حواره لـ «اندبندنت عربية» حول تيار الإسلام السياسي والتطرف والإرهاب والتشدد وغيرها من المسميات التي انتعشت في العقود الماضية وهل هي إلى أفول أم إلى عودة؟

وأضاف أن القضاء على أشخاص لا يُنهي التصورات التي أنتجت هؤلاء الأشخاص، وليست المعضلة محصورة بهذا المنبع، بل المعضلة بقابليات العقل البشري كأساس لكل ألوان البلاء.

إبراهيم البليهي يحذر من الفكر المتحجر

فالبيئات البشرية مهيأة للتفجر في أي وقت، حتى الفكر الفاشستي والنازي والماركسي بصيغته الستالينية أو الماوية، ما زال بإمكانه الظهور مجددًا، فالأوضاع البشرية تشبه السدود الترابية من السهل أن تنجرف فتُغرق كل شيء.

إن البشر قد امتلكوا قدرات التمكين وابتكروا طوفانًا من الوسائل، لكن كل ذلك يُدار من دون حكمة، فالعقل البشري ما يزال قابلًا لأن يستجيب لأغرب العقائد وأن يُصَدِّق أبعد التصورات عن الحقيقة والمنطق الموضوعي، فكل طفل يولد الآن في أي مكان من العالم لا تختلف قابلياته عن إنسان العصر الحجري الأقدم، فهو قابلٌ بأن يتبرمج تلقائيًا قبل بزوغ وعيه بأغرب نماذج التطبع التلقائي.

لذلك فإنه رغم عظمة الأفكار التي ومضت بها عقول القلة المفكرة خلال القرون، ورغم وفرة العلوم وإمكانات التحقُّق من أي شيء، فإن البشرية كلها ما تزال بأوضاع هشّة قابلة لأي تفجر، وحين تحتل الخرافات العقول فإن كل الحقائق لا تُجْدي نفعًا، فالخرافات تمتلك منطقًا أوثق وأقوى وأبعد عن الشك من أي منطق علمي، إنها تملك حماية ذاتية تلقائية الفاعلية، حيث يستحيل اختراقها. إن أوضاع البشر في كل مكان شاهدٌ على هذا المأزق البشري المرعب.

الانفصال عن التراث الديني من أجل تقدم حضاري

وبسؤاله حول عموم التراث الديني ودوره في النهضة رد: التقدم الحضاري في شكل عام، لم يتحقق إلا بالانفصال ولو نسبيّاً عن الأنساق المتوارثة، فالتكرار لا يضيف شيئًا، ثم إن كل مجتمع يكون مغتبطًا بنسقه الثقافي الذي تطبّع به بشكل تلقائي، فكل جيل يتطبّع تلقائيًا وبشكل حتمي بما تطبّع به الجيل الذي قبله، ويظل مرتهَنًا إلى هذا التطبّع، وهذه هي المعضلة البشريّة الكبرى الأشد عمقًا والأقوى بنيةً والأعمق ضررًا، فالعقل يُكَوِّنه ويحتله ويتحكم به الأسبق إليه.

وكل نسق ثقافي محكومٌ بنقطة البداية كما تُحكم الأنهار بمجاريها. إن محاولة التغيير الاجتماعي تشبه محاولة صرف نهر عن مجراه، ولن يكون ذلك إلا بعملٍ جبّار، تسمح به تضاريس الطبيعية التي تحيط بمجرى النهر
الانفصال عن التراث والدعوة إلى تعميق العقل النقدي هو السبيل للوصول إلى تحقيق التقدم في مجالات الافكار والنظم والعلوم وسائر الفنون والتقنيات.

المشروع الفكري

وبسؤاله هل سنرى مشروعًا فكريًا خاصًا به في سياق بعض نظرائه العرب، أمثال محمد أركون ومحمد عابد الجابري؟

يجيب إبراهيم البليهي : «خلال قرنين ظهر مفكرون عرب حاولوا استنهاض الأمة من أجل أن تتجاوز حالة العطالة الحضارية، واتجهوا لإبراز إيجابيات التراث ونقد السلبيات، لكن الأمم لا تتقبل نقد تراثها، لذلك ذهب المفكرون من دون أن يُستجاب لهم، بل كانت النتائج عكسية، حيث يكون رد الفعل الرافض للأفكار المغايرة قوياً، فتزداد الحصون وتتضاعف القلاع وتتعمق الخنادق، وبذلك ظلّ المفكرون لا يقرؤوهم سوى عدد قليل من المثقفين».

وأضاف: «أما مشروعي فينطلق من رؤية إنسانية محضة، يتحدث عن عوامل التقدم وعوائق الانعتاق من الانغلاق، إنه يحاول تقديم رؤية عامة، وهو محاولة غير مرتبطة بمجتمع بعينه ولا يتعرض للتراث العربي لا بالنقد ولا بالتمجيد، ومَنْ يقرأ كتبي سيجد ذلك واضحًا.

فجهدي يعتمد على التراث الإنساني بكل روافده ويتجه للإنسان أينما كان، إنه يعتمد على دراسة تاريخ الحضارة عموماً، والفكر الإنساني وتاريخ العلوم ودراسة الطبيعة البشرية وكيفية التعامل مع هذه الطبيعة بما يستنفر الإيجابيات ويُقلص السلبيات بعد معرفة الإعاقات وعوامل الانعتاق.

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق